الأحد 30 أغسطس 2026 الموافق 17 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

اليونانيون في الإسكندرية.. 2000 عام من التاريخ وبصمات راسخة في مصر

الرئيس نيوز

تمتد قصة الوجود اليوناني في الإسكندرية، ثاني أكبر مدن مصر، لأكثر من ألفي عام، منذ وضع الإسكندر الأكبر الحجر الأول لأول شارع في المدينة عام 331 قبل الميلاد.

وارتبطت الإسكندرية الهلنستية بمعالم شهيرة أصبحت من عجائب الدنيا، وفي مقدمتها فنار الإسكندرية ومكتبتها الكبرى التي كانت من أضخم مكتبات العالم القديم، إلى جانب المقابر التي عُدت من أبرز عجائب العصور الوسطى.

وأصبحت الإسكندرية خلال إحدى مراحل ازدهارها ثاني أقوى مدن حوض البحر المتوسط بعد روما، وفقًا لما أوردته صحيفة «جريك ريبورتر».

موجات الهجرة اليونانية إلى الإسكندرية

شهدت المدينة موجة استيطان يوناني جديدة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم تلتها موجة هجرة أوسع عقب الثورة اليونانية عام 1821، لتبدأ مرحلة عُرفت باسم «العصر الأوروبي» للإسكندرية.

وأُسست القنصلية اليونانية في الإسكندرية عام 1833، بعد عام واحد فقط من استقلال اليونان.

اليونانيون أكبر جالية أوروبية في مصر

شكل اليونانيون أكبر جالية أوروبية في مصر قبل الحرب العالمية الأولى، حيث سجل تعداد عام 1907 نحو 62،973 يونانيًا مقيمين في البلاد.

وامتد الوجود اليوناني إلى جانب الإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية وبورسعيد، إلى مدن أخرى مثل دمياط وإدفو وحلوان والقنطرة والمنصورة وطنطا.

وبحلول مطلع القرن العشرين، وصل عدد اليونانيين في مصر إلى نحو 200 ألف شخص، ثم تجاوز 300 ألف بحلول أربعينيات القرن الماضي، بحسب تقارير تناولت تاريخ الجالية اليونانية في مصر.

من البنوك إلى المسارح.. دور اليونانيين في الحياة المصرية

ساهم أفراد الجالية اليونانية في قطاعات اقتصادية وثقافية متعددة داخل مصر، وشملت أنشطتهم البنوك والتجارة والصناعة والفنون.

وأسس اليونانيون مؤسسات اقتصادية وثقافية ورياضية، كما كان لهم حضور في مجالات المسرح والسينما والصناعات الغذائية والتبغ والنبيذ.

وفي المجال الطبي والعلمي، ارتبط تاريخ الإسكندرية القديمة بمدرسة الإسكندرية الطبية الهلنستية التي تأسست عام 311 قبل الميلاد، وأسهمت في تطوير التعليم الطبي التجريبي.

كما امتلك أفراد الجالية اليونانية أندية اجتماعية ورياضية ومؤسسات ثقافية وفنية، إلى جانب مطبوعات وإصدارات أدبية خاصة بهم.

ومن أبرز المؤسسات الرياضية الاتحاد الرياضي لليونانيين بالإسكندرية، الذي تأسس عام 1910، وكان أحد المراكز المهمة للحياة الاجتماعية للجالية.

المصرفيون والتجار والمهندسون والعمال

انتشر اليونانيون في عدد كبير من المهن، خاصة في المدن الكبرى، حيث عملوا مصرفيين وممولين ومحامين وأطباء ومهندسين معماريين.

كما نشطوا في تجارة القطن وتصديره، والتجارة والصناعات الغذائية والتبغ والتقطير والطحن، إلى جانب امتلاك الفنادق والمطاعم والمقاهي.

وكان للجالية حضور في قطاع الشحن بالإسكندرية وعلى امتداد قناة السويس، بينما عمل أفراد الطبقة العاملة اليونانية في حفر القناة، إضافة إلى مهن مثل الطهي والبحرية.

ثورة يوليو والتأميم.. بداية انحسار الجالية اليونانية

بدأ التراجع الكبير في أعداد اليونانيين في مصر عقب ثورة يوليو 1952 وصعود القومية العربية، ثم جاءت موجات تأميم الصناعات خلال عامي 1961 و1963 لتدفع آلاف اليونانيين إلى مغادرة البلاد.

واتجه المهاجرون إلى أستراليا والولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا ودول أوروبا الغربية واليونان.

كما ساهمت الحروب العربية الإسرائيلية عامي 1956 و1967 في تسريع تراجع الوجود اليوناني في مدن قناة السويس، خاصة بورسعيد.

وتشير تقديرات إلى أن نحو 70% من أفراد الجالية غادروا مصر خلال الفترة بين عامي 1957 و1962.

ماذا تبقى من اليونانيين في الإسكندرية؟

رغم الانخفاض الكبير في أعداد الجالية، لا يزال التراث اليوناني في الإسكندرية حاضرًا في العديد من المناطق.

وتوجد حتى اليوم محال تجارية تحمل أسماء يونانية، ومبانٍ ذات طراز نيوكلاسيكي صممها معماريون يونانيون، إلى جانب شوارع وأحياء تحمل أسماء يونانية.

كما تواصل الجالية اليونانية في الإسكندرية إدارة مدارس يونانية وصالة رياضية ودار رعاية للمسنين ومقبرة تضم عددًا من شواهد القبور ذات الطابع المعماري المميز.

الإسكندرية.. ذاكرة يونانية لا تزال حاضرة

يكشف تاريخ اليونانيين في الإسكندرية عن علاقة امتدت لأكثر من 2000 عام، بدأت منذ العصر الهلنستي واستمرت خلال مراحل مختلفة من التاريخ المصري حتى العصر الحديث.

وبينما تقلص حجم الجالية اليونانية بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في مطلع القرن العشرين، بقي تأثيرها حاضرًا في العمارة والثقافة والتجارة والمؤسسات، لتظل الإسكندرية شاهدة على مرحلة تاريخية كانت فيها المدينة نموذجًا للتنوع الثقافي والتعدد العرقي في مصر.