الأربعاء 15 يوليو 2026 الموافق 01 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الحرب مع إيران تعيد رسم ميزان القوى.. لماذا غاب الحلفاء عن دعم أمريكا وما سر «جبل الفأس»؟

الرئيس نيوز

بين حسابات التحالفات العسكرية وأصعب هدف نووي إيراني، تكشف الحرب حقائق جديدة عن ميزان القوى في الشرق الأوسط، وبالفعل، أثارت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران سؤالًا بدا محيرًا لكثير من المراقبين: كيف تخوض واشنطن مواجهة بهذا الحجم من دون مشاركة عسكرية فعلية من معظم حلفائها التقليديين؟ 

موقع إيراني غامض يعرف بـ"جبل الفأس"

وفي الوقت نفسه، برز اسم موقع إيراني غامض يعرف بـ"جبل الفأس" ليصبح أحد أكثر الأهداف العسكرية تداولًا في التصريحات الأمريكية، بعدما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهدافه باعتباره يمثل إحدى أكثر المنشآت الإيرانية تحصينًا. ويكشف الربط بين هذين الملفين أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بإيران، بل أيضًا بتغير طبيعة التحالفات الدولية وحدود القوة العسكرية في مواجهة منشآت صُممت خصيصًا لتحمل أقسى الهجمات.

بيتر زيهان: المشكلة ليست في غياب الإرادة... بل في غياب القدرة

قدم المحلل الجيوسياسي الأمريكي بيتر زيهان، عبر موقعه الإلكتروني المتخصص في الشؤون الجيوسياسية، تفسيرًا مختلفًا للرواية التقليدية التي تقول إن الحلفاء "تخلوا" عن الولايات المتحدة. فبحسب تحليله، فإن معظم الدول الحليفة لا تمتلك أصلًا قوات بحرية أو لوجستية قادرة على الانتشار السريع في الخليج العربي وخوض عمليات قتالية بعيدة عن أراضيها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة حماية طرق التجارة العالمية والممرات البحرية، الأمر الذي جعل كثيرًا من حلفائها يعتمدون عليها أمنيًا بدلًا من الاستثمار في بناء قدرات إسقاط قوة مستقلة. وعندما اندلعت الحرب، اكتشفت واشنطن أن شبكة تحالفاتها الواسعة لا تعني بالضرورة وجود جيوش جاهزة للمشاركة الفورية في العمليات العسكرية.

غياب التحالف المسبق زاد عزلة واشنطن

ويشير زيهان إلى عامل آخر لا يقل أهمية، وهو أن الإدارة الأمريكية لم تبنِ تحالفًا دوليًا واسعًا قبل بدء العمليات، ولم تُجرِ المشاورات السياسية والاستخباراتية المعتادة التي سبقت حروبًا سابقة مثل حرب الخليج أو أفغانستان. ونتيجة لذلك، لم يكن لدى الحلفاء الوقت الكافي للحصول على الموافقات السياسية أو نقل قواتهم وتجهيزها. وحتى الدول الأوروبية التي تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، مثل بريطانيا وفرنسا، كانت ستحتاج إلى أسابيع وربما أشهر لنشر قوات مؤثرة في الخليج، ما جعل مشاركتها غير عملية في المدى الزمني الذي فرضته تطورات الحرب.

الخليج اختار حماية اقتصاده قبل خوض الحرب

ولا ينفي تحليل زيهان أن الحسابات الاقتصادية لعبت دورًا أساسيًا في مواقف دول الخليج. فهذه الدول تدرك أن أي مشاركة مباشرة قد تجعل منشآتها النفطية وموانئها ومطاراتها أهدافًا للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وهو سيناريو اختبرته المنطقة خلال السنوات الماضية. كما أن إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز كفيل بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما دفع كثيرًا من العواصم إلى تفضيل احتواء التصعيد بدلًا من توسيعه. وهكذا، لم يكن الحياد تعبيرًا عن فتور في العلاقات مع واشنطن، بقدر ما كان انعكاسًا لحسابات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية.

ما هو "جبل الفأس" الذي يثير اهتمام واشنطن؟

في خضم هذه الحسابات، برز اسم "جبل الفأس" (Pickaxe Mountain) بعد إعلان الرئيس الأمريكي أن الموقع قد يكون هدفًا لضربة أمريكية جديدة. ويقع الجبل بالقرب من منشأة نطنز النووية، ويضم شبكة أنفاق عميقة يعتقد خبراء أنها صُممت لإيواء منشآت نووية أو بنية تحتية شديدة الحساسية بعيدًا عن متناول معظم الأسلحة التقليدية. وتصفه تقارير غربية بأنه أحد أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا، إذ تشير تقديرات إلى أن عمق الأنفاق وطبيعة الصخور المحيطة بها قد يجعلان حتى أقوى القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات غير قادرة على ضمان تدميره بالكامل بضربة واحدة.

هدف عسكري... ورسالة سياسية

لا تقتصر أهمية "جبل الفأس" على قيمته العسكرية، بل يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا ورمزيًا. فاستهداف موقع يُعتقد أنه يمثل الجيل الجديد من المنشآت النووية الإيرانية سيكون رسالة بأن واشنطن لن تسمح لطهران بإعادة بناء برنامجها النووي في منشآت أكثر تحصينًا. لكن في المقابل، فإن أي هجوم على الموقع يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يدفع إيران إلى توسيع دائرة الرد، سواء عبر استهداف القوات الأمريكية في المنطقة أو تهديد الملاحة في الخليج، وهو ما قد يرفع تكلفة الحرب إلى مستويات يصعب احتواؤها.

الحرب كشفت حدود التحالفات وحدود القوة

تكشف الحرب، وفق رؤية زيهان، أن امتلاك الولايات المتحدة شبكة واسعة من الحلفاء لا يعني تلقائيًا وجود تحالف عسكري جاهز لخوض كل مواجهة. كما تكشف أن المنشآت الإيرانية الجديدة، وعلى رأسها "جبل الفأس"، تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أصبحت فيها التحصينات والهندسة العسكرية عاملًا لا يقل أهمية عن حجم الترسانة الهجومية. وبينما تواصل واشنطن الضغط العسكري على طهران، يبدو أن المعركة المقبلة لن تُحسم فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات، بل بقدرة كل طرف على إدارة تحالفاته، وحماية اقتصاده، والتعامل مع أهداف باتت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.