الثلاثاء 14 يوليو 2026 الموافق 29 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

"أزمة صلاحيات في بروكسل".. انقسام أوروبي يعطل قرارًا بشأن المستوطنات الإسرائيلية

أرشيفية
أرشيفية

رصد موقع «بوليتيكو يورب» كيف تحول اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل إلى مواجهة سياسية وقانونية كشفت حجم الانقسام داخل مؤسسات الاتحاد نفسه، فبينما سعت مجموعة من الدول إلى دفع المفوضية الأوروبية نحو طرح إجراءات ملموسة تستهدف منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، انتهى الاجتماع دون صدور قرار، بعدما أخفقت تلك الدول في حشد التأييد اللازم لإجبار الجهاز التنفيذي للاتحاد على التحرك.

ولم تكن النتيجة مجرد تأجيل للملف، بل كشفت عن خلاف عميق بشأن حدود صلاحيات مؤسسات الاتحاد وآليات اتخاذ القرار في واحدة من أكثر القضايا حساسية على الساحة الأوروبية.

ولم يكن جوهر الاجتماع يدور حول فرض عقوبات على إسرائيل بقدر ما انصب على تحديد الجهة التي تملك حق تحريك هذا الملف داخل الاتحاد الأوروبي. فقد دخلت بلجيكا وإسبانيا وهولندا، بدعم من مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، الاجتماع بهدف إلزام المفوضية الأوروبية بتقديم مقترحات قانونية واضحة يمكن للدول الأعضاء التصويت عليها، بدلًا من الاكتفاء بالنقاشات السياسية المستمرة منذ أشهر.

غير أن المفوضية الأوروبية، برئاسة أورسولا فون دير لاين، تمسكت بموقفها الرافض لطرح مشروع رسمي، مكتفية بتوزيع ورقة خيارات تضمنت ثلاثة مسارات محتملة، من بينها حظر تجارة منتجات المستوطنات، أو فرض رسوم جمركية عليها، أو إخضاعها لنظام تراخيص خاص.

11 دولة فقط.. ونصاب لم يكن كافيًا

ورغم أن كايا كالاس أكدت عقب الاجتماع أن مقترح حظر التجارة مع المستوطنات حظي بأكبر قدر من التأييد بين البدائل المطروحة، فإن الدعم السياسي لم يصل إلى الحد الأدنى المطلوب لإجبار المفوضية على تقديم تشريع رسمي.

وبحسب دبلوماسيين أوروبيين، فإن 11 دولة فقط طالبت صراحة باتخاذ إجراءات ملموسة، وهو رقم يقل عن الأغلبية البسيطة اللازمة لدفع المفوضية نحو الخطوة التالية. وبذلك ظل الملف معلقًا بين رغبة عدد من الحكومات في التحرك، وتمسك الجهاز التنفيذي الأوروبي بعدم الانتقال إلى مرحلة التصويت الرسمي.

خلاف قانوني يعطل القرار

ولم يقتصر الانقسام على المواقف السياسية، بل امتد إلى تفسير القواعد القانونية المنظمة لعمل الاتحاد الأوروبي، فالمفوضية ترى أن أي إجراء يستهدف المستوطنات يندرج ضمن نظام العقوبات، وبالتالي يحتاج إلى إجماع الدول السبع والعشرين.

في المقابل، ترى كايا كالاس وعدد من الحكومات الأوروبية أن الأمر يتعلق بإجراءات تجارية، وهو ما يسمح بإقرارها عبر الأغلبية المؤهلة دون الحاجة إلى موافقة جميع الدول الأعضاء.

ويعد هذا الخلاف الإجرائي أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون انتقال الملف من مرحلة المشاورات إلى مرحلة اتخاذ القرار.

رسائل سياسية أكثر من كونها اقتصادية

ورغم أن حجم التجارة الأوروبية مع المستوطنات يبقى محدودًا مقارنة بإجمالي التبادل التجاري مع إسرائيل، فإن الجدل الدائر يتجاوز البعد الاقتصادي.

فالدول المؤيدة للإجراءات ترى أن استمرار التعامل التجاري مع المستوطنات يتناقض مع الموقف الأوروبي المعلن الذي يعتبرها غير قانونية بموجب القانون الدولي، بينما يخشى معارضو الخطوة من أن يؤدي فرض قيود جديدة إلى توتير العلاقات مع إسرائيل، وإدخال الاتحاد الأوروبي في مواجهة سياسية ودبلوماسية غير محسوبة.

وفي هذا السياق، شددت كالاس على أن الإجراءات المقترحة لا تستهدف إسرائيل كدولة، وإنما تستهدف النشاط الاستيطاني الذي تعتبره بروكسل عقبة أمام حل الدولتين.

اجتماع متوتر.. وإحباط دبلوماسي

وكشفت مصادر دبلوماسية شاركت في الاجتماع أن المناقشات اتسمت بقدر كبير من الصراحة والتوتر، في ظل تمسك كل طرف بموقفه.

ووصف أحد الدبلوماسيين المؤيدين للعقوبات استمرار الوضع الحالي بأنه «مثير للإحباط»، معتبرًا أن الدول الأعضاء يجب أن تحصل على فرصة للتصويت على إجراءات واضحة، سواء انتهت بالموافقة أو الرفض، بدلًا من بقاء الملف عالقًا بين المفوضية والحكومات.

وفي المقابل، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن الجدل الأوروبي فقد أهميته بعد فشل مؤيدي الإجراءات في حشد أغلبية كافية، معتبرًا أن غياب الدعم السياسي يعكس محدودية فرص المضي في هذا المسار.

اختبار جديد لوحدة القرار الأوروبي

يكشف ما جرى في بروكسل أن التحدي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي لا يتعلق فقط بصياغة موقف موحد من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل يمتد أيضًا إلى قدرته على إدارة الخلافات بين مؤسساته وآليات اتخاذ القرار داخله.

فبينما تؤكد جميع الدول الأعضاء أن المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية وفق القانون الدولي، يظل الخلاف قائمًا حول كيفية ترجمة هذا الموقف إلى إجراءات عملية.