بورسعيد ودمياط في قلب التوسعات.. تقييم أمني يعيد ميرسك وهاباج لويد لقناة السويس
يشهد قطاع الشحن البحري العالمي منعطفا مهما بعدما أعلنت شركتا الشحن العملاقتان ميرسك الدنماركية وهاباج لويد الألمانية، الشريكتان في تحالف "جيميناي" الملاحي، عودة خدمة "إيه إي 15" الرابطة بين آسيا والبحر المتوسط وأوروبا لتعبر مجددا عبر قناة السويس بدلا من مسار الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، في أول عودة رسمية مجدولة لخدمة رئيسية ضمن هذا التحالف الملاحي منذ اندلاع الاضطرابات الإقليمية، كما ذكرت صحيفة كونتينر نيوز.
وستكون السفينة الحاملة للعلم الدنماركي "ماجستيك ميرسك"، البالغة سعتها 19 ألف حاوية نمطية، أول ناقلة تسلك المسار الجديد، ضمن خط ملاحي يربط موانئ تشينغداو وكوانغيانغ ونينغبو وتانجونغ بيليباس الماليزية، وصولا إلى بورسعيد ودمياط المصريتين، ثم كولومبو وسنغافورة، وفق بيانات تتبع السفن ومواعيد الجدولة المعلنة.
قرار مشروط بتقييم أمني شامل للبحر الأحمر
جاء القرار، بحسب بيان مشترك للشركتين، عقب "تقييم شامل لأوضاع الأمن في منطقة البحر الأحمر"، واصفتين الخطوة بأنها "تمثل خطوة نحو عودة تدريجية لممر السويس عبر الترانزيت"، مؤكدتين أن قناة السويس تبقى "أسرع وأكثر الممرات كفاءة واستدامة" بين قارتي آسيا وأوروبا.
وأوضحت ميرسك أن التحول قد يختصر مدة الرحلة بنحو أربعة أسابيع مقارنة بمسار رأس الرجاء الصالح، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن متحدث باسم هاباج لويد، إلا أن الشركتين شددتا في الوقت ذاته على أن سلامة الأطقم والسفن والبضائع تظل الأولوية القصوى، مع الاحتفاظ بخطط طوارئ جاهزة لإعادة توجيه الخدمة حول أفريقيا مجددا في حال تدهورت الأوضاع الأمنية فجأة، وفقا لتقرير صحيفة جيه كابتن.
تشغيل "تجريبي" حذر لا إعادة فتح كاملة للممر
على الرغم من أهمية الخطوة الرمزية، أكدت الشركتان أنه لا توجد لديهما حاليا أي خطط لإعادة خدمات أخرى من شبكة جيميناي الأوسع إلى ممر السويس، في نهج "تجريبي" حذر يستهدف اختبار الممر قبل التوسع فيه على نطاق أشمل. ووصف محلل قطاع الشحن الحاوي البارز لارس جنسن هذه الخطوة، في تدوينة على منصة لينكدإن، بأنها "خبر جيد" في سياق أزمة البحر الأحمر الممتدة، مرجحا أن تقييم الشركتين هو أن احتمال امتداد أزمة مضيق هرمز إلى منطقة البحر الأحمر يبقى محدودا نسبيا، ولافتا إلى أن حركة سفن الحاويات تحديدا عبر مضيق هرمز نفسه لا تزال محدودة، مع تركيز كبريات شركات الشحن حاليا على إخراج سفنها من الخليج العربي أكثر من الدخول إليه.
تراجع أسهم الشركتين وسط ترقب حذر للأسواق
وتراجعت أسهم كل من ميرسك وهاباج لويد عقب الإعلان مباشرة، إذ يدرس المستثمرون بحذر تداعيات أي عودة أوسع نطاقا لمسار السويس على مستقبل أسعار الشحن وهوامش أرباح شركات الملاحة. ويكمن جوهر القلق في أن تجنب البحر الأحمر أطال مدد الإبحار وقلص السعة الفعلية العالمية المتاحة لنقل الحاويات، ما دعم أسعار الشحن خلال سنوات الاضطراب الثلاث الماضية، بينما تعني أي عودة فعلية وواسعة إلى السويس اختصار الرحلات وتحرير سعة إضافية ضخمة في السوق، وربما ضغطا هابطا ملموسا على الأسعار مستقبلا يقلق المستثمرين قصيري الأجل رغم فوائده طويلة الأمد لسلاسل الإمداد العالمية.
دمياط تدخل الخدمة رسميا بطاقة 3.3 مليون حاوية
يأتي هذا التطور الملاحي في وقت تراهن فيه مصر على محطة "دمياط أليانس" الجديدة في ميناء دمياط، التي دشنتها هاباج لويد رسميا في 14 فبراير الماضي عبر أول رسو للسفينة "إسن إكسبريس" البالغة سعتها 13117 حاوية نمطية، لتصبح مركزا استراتيجيا رئيسيا لإعادة الشحن في شرق البحر المتوسط بتمويل تجاوز 600 مليون دولار من مؤسسات تمويل دولية من بينها مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. وتمتد المحطة على مساحة 93 هكتارا برصيف يبلغ طوله 1670 مترا وعمق 18 مترا، مجهزة بـ12 رافعة كهربائية بالكامل و40 رافعة هجينة، على أن تتوزع حمولتها المرتقبة بواقع 80 بالمئة لإعادة الشحن و20 بالمئة للاستيراد والتصدير المحلي، خدمة لأسواق دمياط والقاهرة الكبرى والشام ومنطقة البحر الأسود، وفقا لصحيفة ماريتايم جيت واي.
تحالف مصري دولي يملك حصص المشروع
يتوزع ملكية تحالف "دمياط أليانس" بين هاباج لويد دمياط بحصة 39 بالمئة، ويوروجيت دمياط وكونتشيب دمياط بواقع 29.5 بالمئة لكل منهما، إلى جانب شركاء محليين مصريين يمثلون النسبة المتبقية، ضمن امتياز تشغيلي ممتد لثلاثين عاما.
وأكد جوان بابلو ريتشاردز، المدير الإداري الأول لمنطقة جنوب أوروبا في هاباج لويد، أن هذا المركز الجديد "يعزز موقعنا في شرق البحر المتوسط ويحسن قدرتنا على تقديم خدمات موثوقة وفعالة وتنافسية عبر ممرات التجارة الرئيسية شرقا وغربا وإقليميا"، فيما وصف ديريج بهاتيا، الرئيس التنفيذي لشركة هانسياتيك جلوبال تيرمينالز وعضو مجلس إدارة هاباج لويد، انطلاق التشغيل التجاري للمحطة بأنه "علامة فارقة مهمة" في محفظة الشركة من المحطات العالمية.
فائض ملاحي محتمل أم فرصة استراتيجية ذهبية؟
تشير تحليلات متخصصة في قطاع الشحن إلى أن دخول محطة دمياط الجديدة إلى الخدمة، إلى جانب التوسعات التي دشنتها شركة إيه بي إم تيرمينالز في محطة حاويات قناة السويس ببورسعيد في نوفمبر الماضي بطاقة إضافية بلغت 2.2 مليون حاوية سنويا، قد يخلق ما يقارب 5.5 مليون حاوية نمطية من الطاقة الاستيعابية الإضافية في سوق شرق البحر المتوسط المصري خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، وهو ما قد يبدو في الظروف الهادئة الحالية طاقة زائدة عن حاجة السوق الفعلية.
لكن التحليل ذاته يحذر من أن قطاع الشحن أثبت مرارا مدى سرعة تحول الطاقة الفائضة إلى طاقة نادرة ومطلوبة حين تتعطل الشبكات الملاحية، إذ إنه في حال تدفقت أحمال إضافية عائدة فجأة عبر قناة السويس بوتيرة أسرع مما تستطيع موانئ أوروبا الغربية مثل فالنسيا وجنوة وبيرايوس استيعابه، فقد تتحول الطاقة الاستيعابية الفائضة في دمياط وبورسعيد إلى ميزة تشغيلية حاسمة تمتص الصدمة، بدلا من إغراق موانئ غرب المتوسط والأدرياتيك بكميات هائلة من الحاويات المتراكمة، وفقا لصحيفة ذا لودستار.
رهان مصري على استعادة الدور المحوري لقناة السويس
يعكس هذا المزيج من العودة الحذرة لكبرى شركات الشحن العالمية والاستثمار المصري الضخم في البنية التحتية للموانئ رهانا استراتيجيا مزدوجا على استعادة قناة السويس دورها المحوري في التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، بعد فترة طويلة من التراجع الحاد في الإيرادات نتيجة تحويل مسارات السفن حول أفريقيا، بينما تحتفظ شركات الشحن الكبرى الأخرى، ومن بينها إم إس سي وسي إم إيه سي جي إم وكوسكو وأوشن نتوورك إكسبريس، بموقف الترقب قبل اتخاذ قرارات توجيه أوسع نطاقا لأساطيلها.