الأربعاء 10 يونيو 2026 الموافق 24 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

أسمرة تطرق باب القاهرة من أجل توازن إقليمي في ظل تصاعد طموحات إثيوبيا بشأن البحر الأحمر

الرئيس نيوز

في مشهد يعكس تعقيد التوازنات في القرن الأفريقي، جاءت زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة محمّلة بأكثر من طابع بروتوكولي.

فبحسب تقرير لصحيفة "أفريكا ريبورت"، حملت الزيارة رسائل واضحة تتعلق بمخاوف أسمرة من تصاعد الطموحات الإثيوبية نحو البحر الأحمر، وسعيها إلى توسيع دائرة الشراكات الإقليمية لضمان الاستقرار على حدودها البحرية.

لكن القراءة المصرية لهذا الحراك لا تُقدَّم في إطار التصعيد أو المواجهة، بل ضمن رؤية تركز على حماية المصالح الاستراتيجية وأمن الممرات الحيوية في منطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية في العالم.

البحر الأحمر.. ساحة تنافس لا تريد القاهرة أن تنفجر

تزايد الحديث في السنوات الأخيرة عن رغبة إثيوبيا في الوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر، وهو ما تعتبره أسمرة تهديدًا مباشرًا لسيادتها على ميناء عصب.

وفي المقابل، ترى القاهرة أن أي تغييرات في ميزان السيطرة على هذا الممر الحيوي يجب أن تتم عبر أطر قانونية وتوافقات إقليمية واضحة، بما يضمن عدم انزلاق المنطقة إلى صراعات مفتوحة.

ومن هذا المنطلق، تبدو السياسة المصرية أقرب إلى إدارة توازنات دقيقة منها إلى الانخراط في محاور هجومية، حيث تضع القاهرة أولوية قصوى لاستقرار البحر الأحمر باعتباره شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية وأمن الطاقة.

طموحات إثيوبية وضغوط إقليمية متصاعدة

يواصل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التأكيد على أن بلاده، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، تحتاج إلى منفذ بحري مباشر لدعم نموها الاقتصادي، واصفًا ذلك بأنه "حق استراتيجي لا يمكن تجاهله"، وبالفعل، انخرطت أديس أبابا في عدد من التحركات الإقليمية الرامية إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر، وهو ما أثار جدلًا واسعًا في المنطقة.

لكن هذا الطرح يصطدم برفض إريتري واضح، وتحفظات إقليمية أوسع، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تغيير أحادي في قواعد النفاذ البحري إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

القاهرة بين دعم الاستقرار وحماية التوازنات

في هذا السياق، لا تتحرك القاهرة بمنطق المواجهة، بل بمنطق حماية المصالح ومنع الانزلاق إلى الفوضى الإقليمية، فمصر تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وليس ساحة نفوذ، ما يجعل أولويتها الأساسية الحفاظ على استقرار الدول المطلة عليه ومنع تحول الخلافات السياسية إلى صراعات عسكرية مفتوحة.

وتشير تقارير إقليمية، من بينها صحيفة "بوركينا"، إلى أن مصر تعزز شراكاتها مع دول القرن الأفريقي ضمن إطار دفاعي يهدف إلى دعم الاستقرار، وليس إلى تشكيل تكتلات هجومية، خصوصًا في ظل التوترات المستمرة حول سد النهضة وتداعياته على الأمن المائي المصري.

إريتريا تبحث عن مظلة توازن لا مواجهة

من جانبها، ترى أسمرة في تعزيز علاقاتها مع القاهرة وسيلة لتحقيق توازن استراتيجي في مواجهة الضغوط الإثيوبية المتزايدة، وليس كجزء من محور صدامي. فالمعادلة الإريترية تقوم على منع أي تغيير قسري في الوضع القائم على البحر الأحمر أكثر من السعي إلى فرض نفوذ جديد.

وفي هذا الإطار، تصبح مصر بالنسبة إلى إريتريا شريكًا يضمن الاستقرار، لا طرفًا في مواجهة، خاصة في ظل خبرة القاهرة الطويلة في إدارة ملفات الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن.

وتشير التطورات المتسارعة في المنطقة إلى أن القرن الأفريقي يدخل مرحلة إعادة تشكيل هادئة لموازين القوى، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الجغرافيا السياسية، وتتصاعد أهمية الممرات البحرية في حسابات الدول الإقليمية والدولية.

لكن في قلب هذا المشهد المعقد، تحرص القاهرة على تثبيت معادلة أساسية، مفادها أنه لا توسع على حساب الاستقرار، ولا تغييرات استراتيجية خارج إطار التوافق.

ولا تبدو زيارة أفورقي إلى القاهرة إعلانًا عن محور صدامي، بقدر ما هي محاولة لترتيب أوراق إقليمية شديدة التعقيد، في منطقة لا تحتمل مزيدًا من الانفجار.