الثلاثاء 24 مارس 2026 الموافق 05 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

البحر الأحمر يشتعل: الحرب الإيرانية وإعادة تشكيل القرن الأفريقي والتجارة العالمية

الرئيس نيوز

اندلعت الحرب الإيرانية في أواخر فبراير الماضي في أعقاب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارات أمريكية–إسرائيلية منسقة على طهران، فانفجرت معها أزمة إقليمية غير مسبوقة. لم يقتصر أثرها على الخليج ومضيق هرمز، بل امتد ليشعل البحر الأحمر ويضع القرن الأفريقي في قلب الصراع. ووفقا لصحيفة بوركينا، فإن هذه الحرب لم تعد شأنًا بعيدًا، بل تحولت إلى أزمة مباشرة تهدد الدول المطلة على البحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية في شبكة معقدة تجعل أي اضطراب على الضفة الشرقية ينعكس فورًا على الضفة الغربية.  

 

وتتصاعد المواجهة في باب المندب، ذلك الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه عشرين ميلًا، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. هذا الممر، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من التجارة العالمية، أصبح اليوم تحت تهديد مباشر من الحوثيين المدعومين من إيران. هؤلاء أعلنوا بوضوح أنهم سيغلقون المضيق إذا استمرت الهجمات على إيران، ما يجعل شريان التجارة العالمية مهددًا بالاختناق.  

 

وتتسم الدول المطلة على البحر الأحمر بضعف شديد أمام الصدمات الخارجية. فبداية هناك اليمن الغارق في حرب أهلية منذ سنوات طويلة، وإريتريا التي تعيش عزلة عسكرية خانقة، وجيبوتي التي تستضيف قواعد عسكرية لأمريكا والصين وفرنسا واليابان والسعودية، ما يجعلها هدفًا محتملًا لأي تصعيد. 

 

وفي الاثناء، يمر السودان بحرب أهلية كارثية بين الجيش وقوات الدعم السريع، تسببت في نزوح أكثر من عشرة ملايين شخص. أما إثيوبيا، القوة الديموغرافية الكبرى، فما زالت تتعافى من حرب دامية في إقليم تيغراي، وتعتمد بشكل كامل على ميناء جيبوتي لتأمين تجارتها الخارجية. هذه الهشاشة تجعل أي اضطراب في البحر الأحمر كارثة مضاعفة على شعوب المنطقة.  

 

ويتحول الحوثيون إلى الذراع الأبرز لإيران في البحر الأحمر. فقد أثبتوا خلال السنوات الأخيرة قدرتهم على ضرب أهداف بعيدة المدى باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وخلال حرب غزة 2023–2025، شنوا عشرات الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، ما أجبر شركات الشحن الكبرى على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. 

 

واليوم، مع دخول إيران في مواجهة مباشرة، أصبح الحوثيون قادرين على تعطيل الملاحة وتهديد الموانئ الحيوية مثل جيبوتي وبربرة في أرض الصومال، ما يضاعف المخاطر على التجارة الدولية.  

 

وتظهر التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية بسرعة. فأسعار النفط ارتفعت من 66 دولارًا للبرميل إلى أكثر من 82 دولارًا بعد الضربات على طهران، ما شكل عبئًا هائلًا على دول شرق أفريقيا المستوردة للوقود. وتضاعفت تكاليف الشحن، إذ أصبحت الرحلة من آسيا إلى جيبوتي تكلف أكثر من 5000 دولار للحاوية بعد أن كانت لا تتجاوز 2500. الأسمدة، التي يعتمد إنتاجها على مكونات تمر عبر مضيق هرمز، دخلت بدورها في دائرة الأزمة، ما يهدد الأمن الغذائي لملايين المزارعين الأفارقة.  

 

وتتغير التحالفات السياسية في المنطقة بشكل سريع، لتجد الدول الأفريقية نفسها مضطرة للاختيار بين ضغوط الغرب لإدانة إيران، وضغوط الخليج للتضامن ضد الحوثيين، وبين دعوات روسيا والصين للحياد. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة، حين تحولت أفريقيا إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، وهو ما يثير مخاوف من أن يتكرر السيناريو اليوم في القرن الأفريقي.  

 

ويتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع جيوسياسي يحدد مستقبل الطاقة والتجارة العالمية. هشاشة الدول المطلة عليه، وتهديد الحوثيين بإغلاق باب المندب، وارتفاع أسعار النفط والغذاء، كلها عوامل تجعل العالم يواجه أزمة غير مسبوقة قد تعيد تشكيل النظام الاقتصادي والسياسي لعقود قادمة. الحرب الإيرانية لم تعد محصورة في الخليج، بل امتدت لتشعل البحر الأحمر وتعيد رسم المشهد الإستراتيجي في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع خطوط النار مع خطوط التجارة، وتتشابك المصالح الدولية في منطقة لا تحتمل المزيد من الانفجار.