لأول مرة منذ 1973.. هزيمة مهينة لألمانيا في سباق مقعد مجلس الأمن
تلقت ألمانيا واحدة من أكثر الضربات الدبلوماسية قسوة في تاريخها الحديث بعدما فشلت في الفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، في سابقة هي الأولى منذ بدء مشاركاتها المنتظمة في انتخابات المجلس، وواقعة تراجع لم تحدث منذ 1973.
وجاءت النتيجة بمثابة صدمة سياسية في برلين، ليس فقط لأن ألمانيا تعد ثاني أكبر مساهم مالي في الأمم المتحدة بعد الولايات المتحدة، بل لأنها اعتادت الفوز بكل حملاتها السابقة دون إخفاق يذكر.
وتشير النتيجة إلى أن النفوذ الاقتصادي لا يترجم بالضرورة إلى نفوذ سياسي داخل أروقة المنظمة الدولية، وفقا لمجلة ديرشبيجل.
أرقام أحرجت برلين
في الاقتراع السري الذي أجرته الجمعية العامة للأمم المتحدة لاختيار الأعضاء غير الدائمين للفترة 2027-2028، حصلت البرتغال على 134 صوتا، والنمسا على 131 صوتا، بينما لم تحصد ألمانيا سوى 104 أصوات، أي أقل بـ23 صوتا من الحد الأدنى المطلوب للفوز والبالغ ثلثي أعضاء الجمعية العامة.
وكانت المنافسة محتدمة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية والدول الأخرى، إلا أن النتيجة انتهت بخروج ألمانيا من السباق تماما.
لماذا تعد الهزيمة استثنائية؟
تكمن أهمية هذه النتيجة في أن ألمانيا سبق أن شغلت مقعدا غير دائم في مجلس الأمن ست مرات، وكانت جميع محاولاتها السابقة ناجحة، ولهذا وصفت وسائل إعلام أوروبية عديدة ما حدث بأنه "هزيمة تاريخية" و"انتكاسة غير مسبوقة" للسياسة الخارجية الألمانية.
كما أن توقيت الخسارة يزيد من وقعها، إذ جاءت بينما تحاول حكومة المستشار فريدريش ميرتس تقديم ألمانيا باعتبارها قوة قيادية في أوروبا وشريكا رئيسيا في إدارة الأزمات الدولية.
وادفول يتهم موسكو بتحريك الأصوات ضد ألمانيا
ولم يستطع وزير الخارجية الألماني يوهان وادفول إخفاء شعوره بالمرارة بعد إعلان النتائج، واعتبر أن روسيا لعبت دورا في تعبئة دول عديدة ضد الترشيح الألماني بسبب موقف برلين الداعم لأوكرانيا.
وأكد أن ألمانيا دفعت ثمنا سياسيا لمواقفها الصلبة تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرا إلى أن موسكو بذلت جهودا دبلوماسية لمنع فوزها بالمقعد.
غزة وإسرائيل.. عوامل لا تريد برلين الحديث عنها
لكن تفسير الهزيمة عبر العامل الروسي وحده لا يقنع كثيرًا من المراقبين، إذ يرى عدد من الخبراء والدبلوماسيين يرون أن مواقف ألمانيا من حرب غزة شكلت عاملًا أساسيًا في تراجع التأييد الدولي لها، خاصة بين دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
فمنذ اندلاع الحرب، تبنت برلين أحد أكثر المواقف الغربية دعما لإسرائيل، وهو ما أثار انتقادات واسعة داخل الأمم المتحدة. وتشير تحليلات أوروبية إلى أن دولا كثيرة في الجنوب العالمي رأت في الموقف الألماني ازدواجية في المعايير، خصوصًا عندما قارنت بين تشدد برلين تجاه روسيا ومرونتها تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية.
حملة متأخرة وثقة زائدة
يرى دبلوماسيون أمميون أن ألمانيا دخلت السباق متأخرة نسبيا مقارنة بالنمسا والبرتغال، اللتين بدأتا حملاتهما منذ سنوات.
كما أن بعض الدول الأعضاء اعتبرت أن برلين تعاملت مع المقعد باعتباره شبه مضمون بحكم وزنها الاقتصادي ومساهماتها المالية الكبيرة.
في المقابل، نجحت النمسا في تسويق نفسها كدولة محايدة نسبيا وتحظى بعلاقات متوازنة مع كثير من دول الجنوب، بينما استفادت البرتغال من شبكة علاقاتها التاريخية الواسعة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم الناطق بالبرتغالية.
انتقادات داخلية لميرتس
داخل ألمانيا، تحولت الخسارة بسرعة إلى مادة للنقاش السياسي الحاد، فقد اتهمت أحزاب المعارضة حكومة ميرتس بالفشل في إدارة الحملة الدبلوماسية، بينما وصفت شخصيات سياسية النتيجة بأنها "محرجة" لدولة طالما قدمت نفسها كقوة دولية مسؤولة ومدافعة عن النظام متعدد الأطراف.
كما رأى منتقدون أن برلين فقدت جزءا من قدرتها التقليدية على بناء التوافقات الدولية خارج الإطار الأوروبي.
ما الذي تعنيه النتيجة لألمانيا؟
رغم أن ألمانيا ستظل قوة اقتصادية ودبلوماسية كبرى، فإن خسارة مقعد مجلس الأمن تحمل دلالة رمزية مهمة، فهي تعكس تراجعًا في قدرتها على حشد التأييد داخل الأمم المتحدة، وتطرح تساؤلات حول صورة برلين لدى دول الجنوب العالمي في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى الدولية.
وبينما حاول المستشار ميرتس التقليل من أهمية النتيجة مؤكدًا استمرار التزام بلاده بالنظام متعدد الأطراف، فإن كثيرين في برلين ينظرون إلى ما حدث باعتباره إنذارًا مبكرًا بأن المكانة الدولية لا تُقاس بحجم الاقتصاد فقط، بل أيضًا بمدى قبول السياسات والمواقف لدى بقية دول العالم.





