اتهامات بتضارب المصالح.. مسؤول في البنتاجون حقق 24 مليون دولار من شركة تتعامل مع الجيش
كشفت صحيفة الجارديان البريطانية عن واحدة من أكثر قضايا تضارب المصالح إثارة في إدارة ترامب، حيث يدور الجدل حول مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأمريكية يشرف بشكل مباشر على ملف الذكاء الاصطناعي داخل البنتاجون، بينما كان يمتلك في الوقت ذاته حصة مالية كبيرة في شركة xAI المملوكة لإيلون ماسك، وهي الشركة نفسها التي أبرم معها البنتاجون عقدين ضخمين خلال الفترة ذاتها، والأكثر إثارة للجدل أنه لم يقم ببيع هذه الأسهم إلا بعد إعلان الصفقة الثانية، محققًا أرباحًا تُقدّر بنحو 24 مليون دولار.
يشغل إميل جرجس مايكل منصب وكيل وزارة الدفاع للبحث والهندسة، ويُعد فعليًا كبير مسؤولي التكنولوجيا في البنتاجون، وهو ليس وجهًا جديدًا في عالم وادي السيليكون؛ فقد درس في هارفارد ونال درجته القانونية من ستانفورد، وبنى مسيرة مهنية طويلة في قطاع التكنولوجيا، أبرزها عمله نائبًا أول لرئيس شركة أوبر، حيث أشرف على جمع ما يقارب 15 مليار دولار من التمويلات، كما يُنسب إليه دوره في قيادة توسع الشركة الكبير في السوق الصينية، وفقًا لمجلة فورتشن، وقد اختاره ترامب في ديسمبر 2024 لتولي هذا المنصب الحساس، قبل أن يقرّ مجلس الشيوخ تعيينه في عام 2025.
ووفقًا لما أوردته الجارديان، كشفت وثيقة الإفصاح الأخلاقي التي اطلعت عليها الصحيفة أن مايكل باع حصته في شركة xAI، والتي كانت تتراوح قيمتها بين 500 ألف ومليون دولار، غير أن الأرباح الفعلية التي جناها من عملية البيع قد تصل إلى نحو 24 مليون دولار.
توقيت لا يحتمل المصادفة
لا تكمن الإشكالية الأكبر في امتلاك الأسهم بحد ذاته، بل في التسلسل الزمني الدقيق للأحداث، ففي منتصف عام 2025 أعلن البنتاجون عن أول اتفاقية مع xAI، حيث تم اختيار الشركة كواحدة من أربعة مزودين تجاريين للمساعدة في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الوزارة، ثم جاءت الاتفاقية الثانية في ديسمبر، بعد أيام قليلة فقط من تلقي مايكل إشعارًا رسميًا بضرورة التخلص من حيازاته المالية.
غير أنه لم يبادر إلى البيع فور صدور الإشعار، بل أُعلن عن الصفقة أولًا، ولم تُنفذ عملية البيع إلا بعد أسابيع، في يناير 2026.
هذا التسلسل الزمني هو ما أثار حفيظة خبراء القانون والأخلاقيات. ولم يكن ريتشارد بينتر، المستشار القانوني السابق للأخلاقيات في البيت الأبيض، متحفظًا في تعليقه، معتبرًا أن مثل هذه الصفقات تنطوي على خطر مرتفع من انتهاك القوانين الجنائية المتعلقة بتضارب المصالح.
xAI في قلب البنتاجون
سلطت الجارديان الضوء على الصعود السريع الذي حققته xAI داخل منظومة الدفاع الأمريكية، إذ نقلت عن مسؤول سابق في عقود البنتاجون قوله لقناة NBC News إن المنحة جاءت "من العدم"، مشيرًا إلى أن الشركة لم تكن تمتلك "السمعة أو السجل الحافل الذي يبرر عادة الحصول على عقود حكومية ضخمة".
وفي ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الدفاع عن دمج نماذج "جروك" مباشرة في منصتها الداخلية، بما يتيح لنحو ثلاثة ملايين من العسكريين والمدنيين الوصول إلى هذه التقنيات ضمن بيئة حكومية آمنة، وفي فبراير 2026، توسع نطاق الاستخدام أكثر، عندما وقّع البنتاجون اتفاقية جديدة تتيح لجروك الدخول إلى أنظمة مصنفة سرية، لتصبح بذلك أول شركة تقتحم هذه المساحة التي كانت حكرًا على أنثروبيك، وفقًا لموقع أكسيوس.
ثروة في مرمى الانتقادات
تكشف وثيقة إقرار الذمة المالية والإفصاح المالي لمايكل أن إجمالي حيازاته من الأسهم وسائر الأصول يتراوح بين 121 مليونًا و277 مليون دولار، وقد أُجبر على التخلص من بعضها منذ التحاقه بالحكومة، ولا تقتصر هذه الثروة على xAI، إذ يمتلك أيضًا حصصًا في شركات تقنية أخرى ترتبط بعقود مع وزارة الدفاع.
وأبدى عدد من النواب قلقهم حيال هذه التطورات، حيث أرسلت السيناتورة إليزابيث وارن خطابًا إلى البنتاجون تطالب فيه بإجابات حول ما إذا كان ماسك قد ناقش هذا العقد خلال فترة عمله في الحكومة، وما إذا كانت الصفقة قد خضعت لمراجعة من فريق ترامب.
موقف البنتاجون: كل شيء في حدود القانون
في مواجهة هذه الانتقادات، لجأت وزارة الدفاع إلى خطاب دفاعي تقليدي، إذ أكد متحدث باسمها أن "الوزارة تمتلك إطارًا أخلاقيًا صارمًا ومتعدد الطبقات يشمل مراجعات الإفصاح المالي، والتخلص من الحيازات عند الاقتضاء، ومنع تضارب المصالح"، مشددًا على أن مايكل "ملتزم بالكامل بجميع قوانين الأخلاقيات".
غير أن المنتقدين يرون أن الامتثال الشكلي لقواعد الإفصاح لا يجيب عن السؤال الجوهري: هل كان المسؤول المشرف على صفقات الذكاء الاصطناعي في البنتاجون يعمل كحارس للمصلحة العامة، أم كان يدرك أن قراراته قد تنعكس مباشرة على قيمة محفظته الاستثمارية؟.
تضع هذه القضية الإدارة الأمريكية مجددًا أمام معضلة لا تعالجها وثائق الإفصاح وحدها، فعندما يتقلد نجوم وادي السيليكون وأصحاب المليارات مناصب الدولة، يصبح الخط الفاصل بين خدمة الأمن القومي وتنمية الثروة الشخصية أكثر ضبابية، وقد يتلاشى بشكل خطير.
كما تزداد حساسية هذه القضية لأنها تتعلق بالسلاح الأشد تأثيرًا في المنافسة الجيوسياسية اليوم: الذكاء الاصطناعي، الذي تراهن عليه الجيوش والدول في إعادة تشكيل موازين القوة العالمية.





