التهديدات الإسرائيلية باحتلال جنوب لبنان.. إحياء استراتيجية قديمة تعود لعقود مضت
لا تكاد تمر أزمة في جنوب لبنان حتى يعود إلى الواجهة ذلك الحلم الإسرائيلي القديم: ضم الأراضي الممتدة حتى نهر الليطاني، وما يبدو اليوم تصعيدًا ظرفيًا تفرضه متطلبات الحرب، هو في حقيقته امتداد لأيديولوجيا ترسخت في صلب الفكر الصهيوني قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، وتتجدد اليوم على لسان طيف واسع من السياسيين الإسرائيليين بعيدًا عن حدود اليمين المتطرف، وفقا لمجلة ذا كونفرسيشن الأمريكية.
ثمانية عشر نائبا والتصويت على الضم
في الخامس من أبريل 2026، طالب ثمانية عشر نائبا إسرائيليًا حكومة نتنياهو باحتلال جنوب لبنان بالكامل حتى نهر الليطاني وإخلاء السكان اللبنانيين منه. وسبق ذلك مطالبة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز الأصوات المتشددة في الائتلاف الحاكم، بضم جنوب لبنان رسميًا إلى إسرائيل. وتزامن كل ذلك مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية دون توقف، حتى بعد إعلان ترامب في السابع من أبريل هدنة مدتها أسبوعان أريد لها أن تشمل لبنان وفقًا للوسطاء، غير أن إسرائيل رفضت ذلك.
جذور سابقة لعام 1948
من أجل فهم هذه المطالب لا بد من العودة إلى التاريخ البعيد. في عام 1918، أي قبل ثلاثة عقود من قيام إسرائيل، كان ديفيد بن جوريون — الأب المؤسس لإسرائيل — يجاهر بأن الحدود الطبيعية للدولة اليهودية ينبغي أن تمتد شمالا حتى نهر الليطاني في جنوب لبنان. وفي عام 1919، حمل وفد المنظمة الصهيونية بقيادة حاييم وايزمان ذات المطلب إلى مؤتمر السلام في باريس، مطالبا بأن تشمل الدولة اليهودية المنشودة منطقة الليطاني ابتداءً من مدينة صيدا. غير أن ما تحقق كان مختلفًا تمامًا؛ إذ وضعت المنطقة تحت الانتداب الفرنسي، وفي أول سبتمبر 1920 اعترف الانتداب الفرنسي بحدود لبنان الجنوبية التي تمتد حتى صيدا وصور وما دون الليطاني.
احتلالات متكررة وحدود معلقة
أفضى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني وحرب عربية إسرائيلية أعادت رسم خرائط المنطقة. في لبنان تحديدًا، احتلت إسرائيل 7 قرى جنوبية، قبل أن يُتوصَّل في 1949 تحت رعاية الأمم المتحدة إلى خطّ هدنة مبنيّ على حدود عام 1923 التي رسمتها القوتان الاستعماريتان الفرنسية والبريطانية. وفي عام 1967، توقفت إسرائيل عن الاعتراف بجميع اتفاقيات الهدنة التي أبرمتها عام 1949، بما فيها تلك المبرمة مع لبنان رغم أن الأخير لم يكن طرفًا في حرب 1967.
وفي عام 1978، ردًا على عمليات فدائية فلسطينية انطلقت من لبنان، شنت إسرائيل ما عرف بـ"عملية الليطاني" واحتلت الجنوب، ولم تنسحب منه إلا في مايو 2000 بعد أكثر من عقدين. وأسست الأمم المتحدة عندها ما يعرف بالخط الأزرق — وهو خط انسحاب وليس حدودًا معترفًا بها — ونشرت قوة حفظ السلام في المنطقة العازلة. بيد أن النزاع الحدودي لم يحسم قط، وزاد الأمر تعقيدًا اكتشاف حقل ليفياثان عام 2010، أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، مما أضاف نزاعًا بحريًا إلى النزاع البري القائم.
الليطاني: ماء وأمن وأيديولوجيا
لا تقتصر أهمية الليطاني على البعد الأيديولوجي والأمني؛ إذ يمثل النهر، الذي يبعد نحو ثلاثين كيلومترًا عن الحدود الجنوبية ويمتد لنحو 170 كيلومترًا، المصدر الرئيسي للمياه في لبنان. وإسرائيل، التي تعاني شح المياه وتواجه طلبًا متناميًا، ترى في الوصول إلى هذا النهر مكسبًا استراتيجيًا يتخطى حسابات الأمن العسكري.
ولد حزب الله عام 1985 في رحم الاحتلالات الإسرائيلية المتكررة وفي خضم الحرب الأهلية اللبنانية، وسرعان ما هيمن على المشهد العسكري في جنوب البلاد. وقد تصاعد التبادل العسكري بين الطرفين إثر أحداث السابع من أكتوبر 2023، ليتحول في سبتمبر 2024 إلى حرب شاملة أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف مدني لبناني وتشريد أكثر من 1.2 مليون شخص. وفي السابع والعشرين من نوفمبر 2024، توصل الطرفان إلى وقف لإطلاق النار، غير أنه لم يصمد طويلًا أمام الانتهاكات المتكررة وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي مسعى لاستباق الاحتلال الكامل، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة بحظر العمليات العسكرية لحزب الله على أراضيها وطرد السفير الإيراني، غير أن ذلك لم يهدئ المطامع الإسرائيلية.
مخاطر الاحتلال المتكرر
تشير الباحثة ميريل ريبيز من كلية ديكنسون إلى أن إسرائيل اجتاحت لبنان سبع مرات في الخمسين عامًا الماضية، ولم يسفر أي منها عن استقرار دائم. وثمة رياح معاكسة واضحة تواجه مشروع الاحتلال الكامل اليوم: فالجيش الإسرائيلي المنهك بحروب متزامنة في غزة وسوريا وإيران يبدو بعيدًا عن القدرة على إدارة احتلال طويل الأمد في لبنان. وقد صرح رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير أمام مجلس الوزراء الأمني بأن "الجيش الإسرائيلي على حافة الانهيار". يضاف إلى ذلك تراجع الدعم الدولي، وتصاعد حدة المعارضة الداخلية لاستمرار الحرب في لبنان وحالة الإجهاد الواضحة التي تعتري المجتمع الإسرائيلي.
لكن المجلة الأمريكية تؤكد أن إشعال الفتنة في الجنوب اللبناني نادرا ما بقي محصورًا داخل لبنان، وكثيرًا ما تمدد إلى دول الجوار ليعيد رسم خريطة التوترات الإقليمية بأسرها. حلم الليطاني قديم وراسخ، لكن تكاليفه لم تتغير.