تضخيم الانقسام..كيف يستغل الكرملين "تصدعات الغرب" لإعادة تشكيل النظام الدولي؟
في لحظة دولية شديدة الحساسية، لم تعد المواجهات العسكرية وحدها هي ساحة الصراع بين القوى الكبرى، بل باتت الروايات والسرديات الإعلامية أداة حاسمة في تشكيل موازين النفوذ. وفي هذا السياق، تكشف قراءة معمقة لخطاب الإعلام الروسي كيف يسلط الكرملين الضوء على الانقسامات داخل التحالف الغربي، مستغلا أي تباين سياسي أو عسكري بين ضفتي الأطلسي لتعزيز موقعه الاستراتيجي وإضعاف خصومه، وفقا لموقع ذا ناشيونال إنترست الأمريكي.
ويرى المراقبون أن موسكو، بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا تكتفي برصد الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بل تعمل على تضخيمها وتوظيفها في سياق أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي. فالإعلام الرسمي الروسي يركّز بشكل متزايد على الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، ويقدّمها باعتبارها دليلًا على تراجع التماسك الغربي، خاصة منذ اندلاع الحرب في إيران وما تبعها من تداعيات اقتصادية وأمنية معقدة.
ويتمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التوظيف في العلاقة المتوترة بين أرمينيا وروسيا. فقد شهدت زيارة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إلى موسكو توترًا غير مسبوق، في ظل سعي يريفان إلى الابتعاد عن المظلة الروسية والتقارب مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. هذا التحول الاستراتيجي أثار ردود فعل حادة من الكرملين، حيث دافع بوتين عن موقف بلاده بعدم التدخل في أزمة ناجورنو كاراباخ، ملوّحًا بأدوات ضغط اقتصادية وسياسية، من بينها رفع أسعار الطاقة والتأثير في الانتخابات الأرمينية المقبلة.
ويعكس هذا المشهد إصرار موسكو على الحفاظ على ما تعتبره “مجال نفوذها الطبيعي” في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، ويكشف في الوقت ذاته استعدادها لاستخدام مزيج من الأدوات الصلبة والناعمة لمنع تمدد النفوذ الغربي. وفي المقابل، تجد أرمينيا نفسها أمام معادلة معقدة بين التحرر من الهيمنة الروسية ومخاطر فقدان الدعم الأمني التقليدي.
وفي قلب أوروبا، تبرز المجر كنموذج آخر لتقاطعات السياسة الداخلية مع الصراع الدولي. فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية، يواجه رئيس الوزراء فيكتور أوربان تحديًا كبيرًا قد يحدد مستقبل حكمه الممتد منذ أكثر من عقد ونصف. وقد تحولت هذه الانتخابات إلى ساحة صراع غير مباشر بين قوى دولية، حيث تتهم أطراف داخلية كلًا من روسيا وأوكرانيا بمحاولات التأثير على العملية الانتخابية، بينما يلعب ملف الطاقة، وخاصة خط أنابيب “دروجبا”، دورًا محوريًا في المعركة السياسية.
وتكمن المفارقة اللافتة في أن الدعم الأمريكي لأوربان، في ظل إدارة دونالد ترامب، أضاف بعدا جديدًا للأزمة داخل المعسكر الغربي نفسه. فقد شكّل تدخل مسؤولين أمريكيين في الحملة الانتخابية المجرية سابقة غير مألوفة، تعكس حجم التباين بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، وتؤكد أن الانقسام لم يعد مقتصرًا على السياسات الخارجية، بل امتد إلى طبيعة الأنظمة السياسية داخل أوروبا.
وتتعمق هذه التصدعات أكثر مع تداعيات الحرب في إيران، التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز وخلقت أزمة طاقة عالمية. وفي هذا السياق، عبّر ترامب عن استيائه من حلفائه الأوروبيين، متهمًا دولًا مثل بريطانيا وفرنسا بعدم تقديم الدعم العسكري الكافي، بل ولوّح بإمكانية تقليص الدور الأمريكي داخل حلف الناتو. هذا التوتر يعكس أزمة ثقة حقيقية داخل التحالف، ويمنح موسكو فرصة ذهبية لتعزيز روايتها حول “تفكك الغرب”.
في ضوء هذه التطورات، تبدو الاستراتيجية الروسية قائمة على استغلال كل ثغرة داخل المنظومة الغربية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية. فكلما اتسعت فجوة الخلاف بين واشنطن وبروكسل، زادت قدرة موسكو على المناورة في ملفات حساسة مثل أوكرانيا وأوروبا الشرقية، بل وحتى في الشرق الأوسط.
في النهاية، لا تقتصر خطورة هذه التصدعات على إضعاف التحالف الغربي فحسب، بل تمتد إلى إعادة تشكيل ملامح النظام الدولي بأسره. وبينما يواصل الكرملين توظيف أدواته الإعلامية والسياسية لتغذية هذه الانقسامات، هل يستطيع الغرب إعادة ترميم جبهته الداخلية؟