انتقام "الذهب الأسود".. كيف أعادت الدرونز واتفاقيات التجارة تسعير برميل النفط؟
شهدت أسواق النفط العالمية انتعاشة حادة اليوم، في تحول سريع عن الركود الذي خيم على التعاملات في بداية الأسبوع، وجاءت القفزة كرد فعل على تحركات دبلوماسية واستراتيجية كبرى بين الولايات المتحدة والهند، إلى جانب تجدد المخاوف من عدم استقرار الوضع في الشرق الأوسط، مما يذكر المحللين والمتداولين بأهمية حساب العامل الجيوسياسي في أي مراهنة على اتجاهات السوق.
وأشارت تحليلات لـ"وول ستريت جورنال" إلى أن هذه التحركات تثبت أن التوترات الإقليمية لا تزال بعيدة عن أي تسوية نهائية، وهو ما ينعكس مباشرة على معنويات السوق وحسابات المخاطرة.
حاجز الـ 63 دولارًا.. برنت ونايمكس يستعيدان مخالبهما
تروي أرقام جلسة أمريكا الشمالية اليوم، الثلاثاء، قصة سوق استعاد رباطة جأشه بسرعة فائقة؛ حيث نفض خام غرب تكساس الوسيط (WTI) غبار خسائر الأمس بـ قفزة قوية بلغت 1.7%، ليستقر فوق مستوى 63.21 دولارًا للبرميل.
ولم يكن خام برنت —المعيار العالمي للتسعير— بمنأى عن هذا الزخم، إذ ارتفع بنسبة 1.6% ليصل إلى 67.33 دولارًا.
ويعكس هذا الصعود المتزامن حقيقة أن موجة البيع السابقة كانت مجرد رد فعل "متسرع"؛ فقد باغتت الحقائق الأساسية المتعلقة بشح الإمدادات وتصاعد المخاطر أولئك الذين راهنوا على تهدئة طويلة الأمد.
ولم تعد سوق الطاقة تعمل بمنطق "التوازن" التقليدي، بل أصبحت تتحرك وفق واقع جديد تكون فيه طرق الإمداد أكثر كلفة وصعوبة في التأمين.
مناورة "نيودلهي-واشنطن": إعادة رسم خارطة الطاقة
الزلزال الحقيقي الذي ضرب الأسواق اليوم جاء من أروقة الدبلوماسية التجارية؛ حيث تشير التقارير إلى أن الهند —أحد أكثر مستهلكي الطاقة نهمًا في العالم— بصدد إجراء خفض حاد ومفاجئ لمشترياتها الضخمة من الخام الروسي لصالح اتفاق تجاري "مغري" مع الولايات المتحدة، وهذا ليس مجرد تغيير في السياسة، بل هو تحول إستراتيجي يعيد رسم خارطة التدفقات العالمية.
وعلى مدار العام الماضي، اعتمدت السوق على "أبواب خلفية" لاستمرار تدفق النفط، لكن تلك الحقبة تصطدم الآن بجدار صلب، فإذا انسحبت نيودلهي من تلك الصفقات الميسرة، سيخلق ذلك "فراغًا" هائلًا في المعروض؛ فالملايين من البراميل التي كانت تتدفق شرقًا ستحتاج الآن إلى موطن جديد، بينما ستضطر الهند للعودة إلى السوق المفتوحة للمنافسة على الخامات القياسية، وهذا التدافع هو المحرك الفعلي للضغط التصاعدي الذي نراه الآن على شاشات التداول.
"الدرونز" واحتضار الجهود الدبلوماسية
بينما كانت مكاتب التداول تضج بأخبار التجارة، أضافت التقارير الواردة من منطقة الخليج "عامل الرعب" إلى المعادلة، وتبخرت آمال الهدوء الإقليمي بعد أنباء عن اعتراض طائرة مسيرة بالقرب من مجموعة هجومية بحرية كبرى تابعة للولايات المتحدة، ولا يمكن الاستهانة بالتأثير النفسي لتحرك القطع العسكرية في أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، أضف إلى ذلك لعبة "الكراسي الموسيقية الدبلوماسية" الحالية، مع نقل المحادثات الحاسمة من عاصمة محايدة إلى أخرى، مما جعل المستثمرين يفقدون صبرهم تجاه رواية "السلام القادم".
القناعة السائدة الآن في السوق هي أن التوصل إلى اتفاق شامل وقابل للتحقق لا يزال مجرد أضغاث أحلام؛ وطالما أن الدرونز تحلق والمفاوضات تراوح مكانها، سيظل النفط مرتديًا "حذاءه العسكري".
وأشارت الصحيفة الأمريكية أن ثمة ضغط متزايد في الأفق، إذ تؤكد طفرة الأسعار اليوم أن مرحلة "الانتظار والترقب" قد انتهت رسميًا، فنحن ندخل مرحلة لم تعد فيها الطاقة تتعلق بالطلب فحسب، بل بسياسات خطوط الأنابيب والتحالفات العسكرية.
وبين الانعطاف الإستراتيجي للهند نحو الغرب والحرارة المستمرة في ملفات الشرق الأوسط، يبدو أن طريق النفط يتجه نحو الصعود، فقد وجدت السوق "القاع" الذي يمكن الارتكاز عليه، ومن خلال جرس إغلاق اليوم، يبدو أن المشترين استعادوا زمام المبادرة بالكامل.





