الإثنين 19 يناير 2026 الموافق 30 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

في سابقة هي الأولى من نوعها.. الاتحاد الأوروبي يجهز «بازوكا تجارية» لمواجهة تهديد ترامب

الرئيس نيوز

دخلت العلاقة عبر الأطلسي مرحلة غير مسبوقة من التوتر، مع شروع الاتحاد الأوروبي في إعداد ما يعرف بـ"البازوكا التجارية"، وهي أداة ردع اقتصادية شديدة الحساسية، في مواجهة تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية واسعة على دول أوروبية على خلفية ملف جرينلاند. 

ويعكس التحرك الأوروبي، الذي تقوده باريس وبدأ يحظى بدعم ألماني علني، تحولا نوعيا في موقف بروكسل تجاه الضغوط الأمريكية، من سياسة الاحتواء والتهدئة إلى منطق الردع الاستباقي. 

فقد أعلن وزير المالية الألماني ونائب المستشار لارس كلينجبايل أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يظل رهينة لما وصفه بـ"الابتزاز الاقتصادي"، مشددا على أن لدى بروكسل أدوات قانونية قاسية وجاهزة للاستخدام إذا مضت واشنطن في مسار التصعيد. 

هذا الاصطفاف الفرنسي–الألماني يضع أوروبا أمام لحظة اختبار حقيقية: إما الدفاع عن سيادتها التجارية، أو القبول بسابقة قد تعيد تشكيل ميزان القوى الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي، وفقا لموقع بوليتيكو.

من التهديد إلى الرد: لماذا تغير الموقف الأوروبي؟

لطالما تميزت ألمانيا، بوصفها القاطرة الاقتصادية للاتحاد، بالحذر الشديد إزاء أي خطوات تصعيدية قد تهدد صادراتها أو تعمق أزمتها الصناعية. غير أن تصريحات كلينجبايل تعكس تبدلا لافتا داخل برلين، خصوصا في صفوف الاشتراكيين الديمقراطيين، الذين باتوا يرون أن التنازلات المتكررة أمام إدارة ترامب لم تؤد إلا إلى مزيد من الضغوط. فملف جرينلاند، الذي يربطه ترامب علنًا بالسيادة الأمريكية وبالرسوم الجمركية، تجاوز كونه خلافا تجاريا ليصبح مسألة كرامة سياسية وسيادة أوروبية، لا سيما أن الجزيرة الدنماركية تمثل جزءا من المنظومة الأوروبية الأوسع.

وفي هذا السياق، يكتسب الموقف الفرنسي ثقله، إذ ترى باريس أن أي تهاون أوروبي سيشجع واشنطن على استخدام التجارة كسلاح سياسي في ملفات أخرى.

ما هي "البازوكا التجارية"؟

الأداة التي يلوح بها الاتحاد الأوروبي تعرف رسميًا باسم "آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي"، وهي تشريع أُقر عام 2023 لكنه لم يستخدم حتى الآن. 

توصف هذه الآلية بأنها الخيار النووي في الترسانة التجارية الأوروبية، لأنها تتيح لبروكسل فرض قيود واسعة على الواردات والصادرات، واستهداف قطاعات خدمية حساسة، بل وحتى حرمان شركات أجنبية من الوصول إلى عقود المشتريات العامة داخل السوق الأوروبية التي تضم نحو 450 مليون مستهلك. 

وتكمن خطورة هذه الأداة في أنها لا تستهدف السلع فقط، بل يمكن أن تطال شركات التكنولوجيا والخدمات الأمريكية، وهي نقطة ضعف واضحة لواشنطن في ميزانها التجاري مع أوروبا. هذا ما جعل التهديد بتفعيلها رسالة سياسية بحد ذاته، حتى قبل اتخاذ أي إجراء فعلي، كما أوضحت قناة فرانس 24.

أعاد ترامب ملف جرينلاند إلى الواجهة بطريقة صادمة للأوروبيين، حين ربط صراحة بين فرض رسوم جمركية تصل إلى 25% وبين التنازل عن الجزيرة، في خطاب اعتبرته العواصم الأوروبية تجاوزًا لكل الأعراف الدبلوماسية. 

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا يتعلق الأمر فقط بجزيرة غنية بالمعادن وموقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي، بل بسابقة خطيرة تمس مفهوم السيادة ذاته. فقبول منطق المقايضة الاقتصادية على الأراضي قد يفتح الباب أمام ضغوط مماثلة في مناطق أخرى، وهو ما يفسر اللهجة الحادة المتزايدة في بروكسل وباريس وبرلين.

انقسام أوروبي أم اصطفاف جديد؟

رغم الزخم الفرنسي–الألماني، لا يزال داخل الاتحاد الأوروبي تباين في الرؤى. فبعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا والنرويج، تفضل التريث وتجنب التصعيد، خوفا من حرب تجارية شاملة مع واشنطن. في المقابل، ترى دول أخرى أن إظهار الحزم الآن قد يمنع تصعيدا أكبر لاحقا. 

الأنظار تتجه إلى موقف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، المعروف ببراجماتيته تجاه الولايات المتحدة، والذي قد يشكل موقفه عامل ترجيح داخل المعادلة الأوروبية.

ما وراء التجارة: أزمة ثقة عبر الأطلسي

تكشف هذه الأزمة عن صدع أعمق في العلاقات الأوروبية – الأمريكية، يتجاوز ملف الرسوم الجمركية. فتصاعد الخطاب الأمريكي القائم على فرض الشروط بالقوة الاقتصادية يعزز داخل أوروبا تيارًا يدعو إلى الاستقلال الاستراتيجي وتقليص الاعتماد على واشنطن، ليس فقط في التجارة، بل في مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة. 

وفي هذا الإطار، تبدو البازوكا التجارية أكثر من مجرد أداة ردع؛ إنها رمز لتحول ذهني في كيفية رؤية أوروبا لمكانتها في النظام الدولي.

ويقف الاتحاد الأوروبي اليوم عند مفترق طرق حاسم ويختار إما الاكتفاء بالتهديد وإرسال رسالة ردع سياسية، أو الانتقال فعليًا إلى استخدام أدوات لم يسبق اختبارها في مواجهة أقرب حلفائه. 

وفي الحالتين، فإن ما يجري حول جرينلاند قد يشكل نقطة انعطاف في تاريخ العلاقات التجارية عبر الأطلسي، ويمهد لمرحلة أقل ودية وأكثر صراحة في صراع المصالح بين بروكسل وواشنطن.