500 مدني مقابل هدف واحد.. كيف كشف فيلم نازا آلية القتل الجماعي في غزة؟
فجر الفيلم الوثائقي "نازا" عاصفة سياسية وإعلامية داخل إسرائيل، بعدما كشف شهادات عسكريين إسرائيليين عن آليات احتساب أعداد المدنيين الفلسطينيين المتوقع مقتلهم خلال الغارات الجوية على قطاع غزة، وكيف تحولت الخسائر البشرية إلى أرقام تخضع للمراجعة والموافقة قبل تنفيذ الهجمات. وأثار العمل غضب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسط مطالبات بسحب الجنسية من مخرجيه وملاحقة المشاركين فيه قضائيا، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.
وأنتجت الجارديان الفيلم بالتعاون مع شركة "جي دبليو فيلمز"، وأخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل شور، مستندا إلى شهادات 24 مصدرا إسرائيليا أخفيت هوياتهم لحمايتهم، وإلى تحقيقات صحفية امتدت ثلاث سنوات وشملت مقابلات مع أكثر من مئة مصدر مطلع على أنظمة الاستهداف الإسرائيلية.
نازا.. حين يتحول المدنيون إلى أرقام
يحمل الفيلم عنوانا مأخوذا من اختصار عبري لعبارة "الضرر الجانبي"، وهو المصطلح الذي تستخدمه الاستخبارات الإسرائيلية للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم خلال هجوم عسكري مخطط. وتكشف الشهادات أن عبارة مثل "20 نازا" تشير إلى تقدير سقوط عشرين مدنيا أثناء استهداف شخص واحد.
ويعرض الوثائقي رواية عن الموافقة على عملية توقع مخططوها مقتل 500 مدني مقابل استهداف عنصر واحد من حماس، إلى جانب شهادات تتناول اعتماد تقديرات بلغت 20 مدنيا عند استهداف عناصر منخفضة الرتبة، و200 عند استهداف قيادات بارزة، وهي أرقام ينفي الجيش الإسرائيلي اعتمادها، وفق الجارديان.
ويتناول الفيلم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في اقتراح الأهداف، وتخفيف الضوابط المرتبطة بحماية المدنيين، وتفضيل استهداف عناصر حماس داخل منازلهم لزيادة فرص إصابتهم، رغم المخاطر التي تفرضها تلك العمليات على عائلاتهم وجيرانهم.
شهادات من الظلام ورد إسرائيلي بعشر صفحات
صور المخرجان مقابلاتهما ليلا فوق أسطح مبان في تل أبيب، مع إخفاء وجوه المتحدثين وتعديل أصواتهم رقميا. وشارك المخرج الحائز على الأوسكار جوناثان غليزر في الإنتاج التنفيذي للعمل، فيما وصف نقاد غربيون الشهادات بأنها مواجهة مباشرة مع المسؤولية الأخلاقية عن قتل المدنيين.
وأصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي ردا تفصيليا من عشر صفحات عقب مشاهدة الفيلم كاملا، نافيا الموافقة على عمليات يتوقع سقوط 500 مدني خلالها، أو اعتماد سقوف ثابتة للخسائر البشرية. وأكد أن الضباط المختصين يتخذون قرارات الاستهداف النهائية، وليس أنظمة الذكاء الاصطناعي، واتهم صناع الوثائقي بتقديم صورة مضللة لإجراءات الموافقة على الضربات.
نتنياهو غاضب وتهديدات بسحب الجنسية
انتقلت المواجهة إلى الساحة السياسية بعدما طالب نتنياهو بكشف هويات العسكريين المشاركين وفتح تحقيقات جنائية بحقهم، بينما دعا وزير الثقافة ميكي زوهر إلى دراسة سحب الجنسية من المخرجين. وواجه الاثنان تهديدات وصلت إلى تجمع محتجين أمام منزل والدة شور مرددين شعارات تطالب بإعدام من وصفوهم بالخونة، وفق مجلة جاكوبين الأمريكية.
وأثارت الحملة اعتراضات داخل الأوساط السينمائية الإسرائيلية، إذ وقع أكثر من 1642 من العاملين في صناعة السينما عريضة تضامن مع المخرجين، محذرين من تصاعد التحريض ضدهما بسبب كشف شهادات تتعلق بسلوك جيش الاحتلال خلال الحرب.
من البندقية إلى أركنساس.. الجوائز تتوالى
حصد "نازا" الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي، وسط استقبال شهد تصفيقا استمر نحو 25 دقيقة عقب عرضه الأول، قبل أن يضيف إنجازا أمريكيا جديدا بفوزه بجائزة النقاد في الدورة الخامسة والثلاثين لمهرجان هوت سبرينجز للأفلام الوثائقية، الذي أقيم بين 9 و17 أكتوبر 2026.
وأشادت لجنة التحكيم باستخدام المونتاج الدقيق لسرد ما وصفته بالإبادة الجماعية المستمرة في غزة، من خلال شهادات الجنود المكلفين بتنفيذ العمليات العسكرية، وفقا لصحيفة أركنساس ديموكرات جازيت الأمريكية.
جاكوبين: إسرائيل تخشى السينما التي تفضح الحرب
اعتبرت مجلة جاكوبين أن الهجوم الإسرائيلي على الفيلم يكشف مخاوف السلطة من تحويل شعور الجنود بالذنب إلى مساءلة سياسية عن جرائم الحرب. وأشار الكاتب أليكس مكارون إلى أن التهديدات ساهمت في زيادة الإقبال على عروض الفيلم في نيويورك، بدلا من إسكات صانعيه.
وقارن مكارون بين معالجة الوثائقي لشهادات العسكريين الإسرائيليين والنهج السائد في الإعلام الأمريكي، الذي يميل إلى تقديم شعور المحاربين بالذنب باعتباره اضطرابا نفسيا يحتاج إلى العلاج، بدلا من مساءلة القرارات العسكرية التي تسببت في مقتل المدنيين.
ويستعد الفيلم للتوسع في عروضه الدولية قبل إتاحته مجانا عبر موقع الجارديان أواخر نوفمبر المقبل، حاملا شهادات تضع منظومة الاستهداف الإسرائيلية وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي ومعايير احتساب الضحايا المدنيين أمام تدقيق دولي متزايد.