ثمانية تجار ومعبر واحد.. من يتحكم بأسواق السلع في غزة؟
كشفت أزمة إغلاق معبر كرم أبو سالم أمام الشاحنات التجارية لمدة خمسة أيام عن صراع اقتصادي ومالي معقد يتحكم في وصول الغذاء إلى قطاع غزة، بعدما تقلص عدد المستوردين المعتمدين من نحو 1500 تاجر قبل الحرب إلى ثمانية فقط، وسط خلافات بشأن رسوم مالية وآليات الدفع النقدي والتحويلات المصرفية، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وتسببت الأزمة، التي بدأت في 13 أكتوبر، في ارتفاع حاد بأسعار المواد الغذائية، إذ قفز ثمن عبوة القهوة من ستة إلى عشرة دولارات، وبلغ سعر كيلو الطماطم ستة دولارات، والبطاطس أربعة دولارات، واللحوم المجمدة 20 دولارا، بينما اختفى البيض والفواكه من الأسواق.
رسوم الـ3300 دولار تشعل المواجهة
بدأت الأزمة عندما أعلنت إسرائيل تعليق دخول الشاحنات التجارية، متهمة حركة حماس بمطالبة المستوردين بسداد عشرة آلاف شيكل، تعادل نحو 3300 دولار، عن كل شاحنة، وإلزامهم بتحصيل جزء من مبيعاتهم نقدا.
ونفت الجهات الحكومية في غزة فرض ضرائب إلزامية، لكنها أقرت بطرح مساهمة مالية اختيارية تحت مسمى «الخدمة المجتمعية»، لتمويل صندوق مخصص لدعم الأيتام والأرامل ومشروعات الإيواء.
وتأتي هذه الخلافات فوق أعباء ضخمة تحملها التجار خلال الحرب، بعدما تجاوزت المبالغ المدفوعة مقابل تنسيق دخول الشاحنات 2.06 مليار دولار حتى أواخر يوليو 2026، وانتقلت تكلفتها إلى المستهلكين عبر أسعار السلع.
ثمانية تجار يحتكرون الاستيراد
ارتبطت الشرارة المباشرة للأزمة بفرض الإقامة الجبرية على أحد التجار الثمانية المعتمدين، بعد رفضه الالتزام بآلية بيع حددتها وزارة الاقتصاد، تقضي بتحصيل 25% من قيمة المبيعات نقدا، وتسوية النسبة المتبقية عبر التحويلات المصرفية.
وتواصل بعض المستوردين مع المنسق الاقتصادي الإسرائيلي، وأبلغوه بتعليق عمليات إدخال البضائع لحين إنهاء الإجراءات المفروضة على التاجر.
في المقابل، اتهمت إسرائيل عناصر أمن تابعين لحماس باحتجاز نجل أحد التجار بسبب رفض المطالب المالية، بينما أكدت الجهات الحكومية في غزة أن الإجراءات المتخذة بحق بعض المستوردين ترتبط بشبهات احتكار وتلاعب بالأسعار وكسب غير مشروع.
160 مليون دولار خارج التداول
كشف الخلاف عن أزمة أعمق تتعلق بالسيولة النقدية، بعدما أدى منع إسرائيل إدخال أوراق نقدية جديدة إلى بنوك غزة ورفض استبدال العملات التالفة إلى اختناق المعاملات اليومية.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو نصف مليار شيكل، تعادل 160 مليون دولار، خارج التداول الفعلي بين السكان.
ويشترط كبار المستوردين تسوية مبيعاتهم بالكامل عبر التطبيقات البنكية، لحاجتهم إلى أرصدة رقمية لتسديد مستحقات الموردين بالخارج، خصوصا مع رفض البنوك الإسرائيلية استقبال النقد القادم من غزة.
وحاولت وزارة الاقتصاد إلزام التجار بقبول المدفوعات النقدية مقابل 25 إلى 30% من بضائعهم، بينما اعتبرت إسرائيل الإجراء محاولة من حماس للسيطرة على السيولة والالتفاف على النظام المصرفي.
أزمة سياسية خلف الشاحنات
سلطت المواجهة الضوء على استمرار الأجهزة الحكومية التابعة لحماس في ممارسة صلاحياتها المالية والأمنية، رغم إعلان حل لجنة الطوارئ الحكومية تمهيدا لنقل إدارة القطاع إلى لجنة التكنوقراط.
وانتقلت الأزمة إلى مجلس السلام، وسط دعوات للإسراع في تسليم الإدارة الجديدة مهامها، بينما اتهمت الجهات الحكومية في غزة إسرائيل بعدم الالتزام بتفاهمات إدخال 600 شاحنة يوميا، مؤكدة سماحها بمرور 35% فقط من العدد المتفق عليه.
عودة الشاحنات بعد خمسة أيام
أسفرت اجتماعات بين الجهات الحكومية والغرف التجارية وممثلي القطاعات الاقتصادية عن تسوية للخلافات المالية، مهدت لاستئناف حركة الشاحنات.
وأعلنت إسرائيل، أمس الإثنين 19 أكتوبر، إعادة إدخال البضائع تدريجيا، مع إعطاء الأولوية للسلع الأساسية وتشديد الرقابة على المدفوعات المصرفية.
لكن الأزمة كشفت هشاشة السوق الغزية أمام أي توقف للإمدادات، في ظل احتكار الاستيراد، وضعف المنافسة، واستمرار القيود على المعابر، بينما يتحمل المواطنون وحدهم فاتورة الصراع على الغذاء والسيولة.





