الإثنين 19 أكتوبر 2026 الموافق 08 جمادى الأولى 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

من برميل النفط إلى سعر الدولار.. هل يتحكم الذهب الأسود في مصير الجنيه المصري؟

أرشيفية
أرشيفية

تجاوز الدولار مستوى 53 جنيهًا في السوق المصرية، بعدما تزامن ارتفاع أسعار النفط مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، ليعود الجنيه إلى مواجهة ضغوط خارجية تتجاوز قرارات البنك المركزي. 

ومع اقتراب خام برنت من 110 دولارات للبرميل، تتزايد المخاوف من ارتفاع فاتورة الطاقة واتساع الطلب على العملة الأمريكية، بينما تترقب الأسواق مسار التوترات الإقليمية وقدرة مصادر النقد الأجنبي على امتصاص الصدمة، وفقا لبلومبرج.

النفط والجنيه.. علاقة تتجاوز سعر البرميل

أظهرت تحركات الأسواق خلال العام الجاري ارتباطا متزايدا بين أسعار النفط وأداء الجنيه، إذ تزامن ارتفاع الخام مع تراجع العملة المصرية، بينما ساعد انحسار الضغوط النفطية والجيوسياسية في فترات سابقة على تهدئة سوق الصرف. لكن هذا الارتباط لا يعني أن النفط يتحكم منفردا في سعر الدولار، لأن العملة تتأثر كذلك بتدفقات الاستثمار الأجنبي، وحركة التجارة، والتحويلات، والسياحة، وسياسة البنك المركزي.

وتكتسب التطورات أهمية إضافية مع ارتفاع برنت إلى 109.86 دولار للبرميل يوم الجمعة، وهو أعلى مستوى منذ مايو، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات بسبب التوترات الإقليمية. 

فاتورة الطاقة.. الضغط الأول على الجنيه

تستورد مصر احتياجات من المنتجات البترولية، ما يجعل ارتفاع الأسعار العالمية عبئا على فاتورة الواردات واحتياجات الدولة من الدولار.

وكلما ارتفعت تكلفة شراء النفط والوقود من الخارج، زادت الضغوط على موارد النقد الأجنبي، خصوصا إذا لم تقابلها زيادة مماثلة في الصادرات أو الإيرادات الدولارية.

ولا يتوقف الأثر عند تكلفة الاستيراد، بل يمتد إلى الموازنة العامة، إذ قد تضطر الحكومة إلى تحمل أعباء إضافية أو تعديل أسعار الوقود لتقليص فجوة التكلفة والدعم. 

وحذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع العملة قد يدفعان التضخم إلى الصعود مجددا خلال النصف الثاني من 2026، مع توقع وصوله إلى 16.7%. 

الأموال الساخنة.. القناة الأكثر حساسية

يمثل خروج المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة والسندات قناة ثانية لانتقال صدمة النفط إلى سوق الصرف. فعندما تتصاعد المخاطر الجيوسياسية، قد يبيع المستثمرون حيازاتهم من أدوات الدين المصرية، ثم يحولون حصيلة البيع إلى الدولار، بما يزيد الطلب عليه ويضغط على الجنيه.

وتعتمد مصر جزئيا على ما يعرف بـ"تداول الفائدة"، حيث يستفيد المستثمر الأجنبي من ارتفاع العائد على الأصول المقومة بالجنيه، لكنه يظل معرضا لخسائر سعر الصرف وتقلبات الأسواق. 

ووفق الأرقام الواردة في تقارير السوق، تراوحت تقديرات التدفقات الخارجة خلال الأسبوع الماضي بين 800 و900 مليون دولار، فيما تراجعت حيازات الأجانب من أدوات الدين إلى نحو 28 مليار دولار، مقارنة بذروة بلغت 35 مليار دولار في نهاية يونيو. 

التحويلات والسياحة والاحتياطيات.. خطوط الدفاع

في المقابل، تمتلك مصر مصادر متعددة للنقد الأجنبي تساعد على تخفيف الضغوط، في مقدمتها تحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات السياحة، وقناة السويس، والاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وارتفعت تحويلات المصريين بالخارج إلى 33.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، بزيادة 27.2%، بحسب البيانات الواردة في النص الأصلي.

 كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن تدفقات التحويلات القياسية وإيرادات السياحة وتعافي إيرادات قناة السويس تدريجيا ساعدت الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية.

وبلغت الاحتياطيات الدولية الصافية 57.2 مليار دولار في نهاية أغسطس، وفقا للأرقام الواردة في البيانات المقدمة. وتوفر هذه الموارد هامشا لمواجهة تقلبات السوق، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي وتحسين القدرة التنافسية للصادرات. 

صندوق النقد واختبار مرونة سعر الصرف

استكمل صندوق النقد الدولي المراجعة السابعة لبرنامج مصر في 30 يوليو، ما أتاح تمويلا بنحو 1.5 مليار دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد، إلى جانب نحو 272 مليون دولار في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة. 

وشدد الصندوق على ضرورة الحفاظ على مرونة سعر الصرف، وبناء الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل.

ويمثل موعد انتهاء البرنامج في 15 ديسمبر محطة مهمة للأسواق، إذ تراقب المؤسسات الدولية والمستثمرون التزام الحكومة بالإصلاحات وقدرتها على توفير التمويل اللازم. كما يظل ارتفاع أسعار الطاقة وضعف العملة من المخاطر التي قد تؤخر تراجع التضخم وتزيد الضغوط على الحساب الجاري. 

هل يحسم النفط مصير الجنيه؟

لا يتحكم النفط وحده في مصير الجنيه، لكنه قد يضاعف الضغوط عندما يجتمع ارتفاع تكلفة الطاقة مع خروج الأموال الأجنبية وزيادة الطلب على الدولار، وفي المقابل، تستطيع التحويلات والسياحة والاحتياطيات والتمويل الدولي تخفيف الصدمة، شريطة استمرار تدفقاتها وعدم الاعتماد على حلول مؤقتة.

وتبقى المعادلة خلال الأسابيع المقبلة مرتبطة بمسار أسعار الخام والتوترات الإقليمية، وقدرة الاقتصاد على جذب استثمارات مستقرة وزيادة موارده الدولارية. فاستقرار الجنيه لا يتوقف على تراجع النفط فحسب، بل يتطلب أيضا تقليص فجوة النقد الأجنبي وتعزيز الإنتاج والصادرات، بما يقلل تعرض السوق المصرية للصدمات الخارجية.