هل يحق لمصر المطالبة بتعويضات عن أضرار السد الإثيوبي؟.. القانون الدولي يحدد المسار
أعاد تشغيل سد النهضة الإثيوبي قضية المسؤولية عن الأضرار إلى واجهة النزاع بين القاهرة وأديس أبابا، لكن السؤال القانوني لا يبدأ من إعلان رقم للتعويضات، وإنما من إثبات أن فعلا محددا في ملء السد أو تشغيله خالف التزاما دوليا وأحدث ضررا ذا شأن يمكن إثباته وقياسه، وبعد ذلك تأتي قيمة الضرر وآلية المطالبة به وكيفية إنفاذ أي تسوية أو حكم، وفقا لمجلة ووتر بوليسي، وهي مجلة أكاديمية دولية محكمة متخصصة في سياسات وإدارة المياه.
إعلان مبادئ 2015.. أساس مهم
يمثل "إعلان مبادئ" سد النهضة الموقع في الخرطوم عام 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان نقطة الانطلاق الأهم في هذا الملف، وينص المبدأ الثالث على التزام الدول الثلاث باتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع وقوع "ضرر جسيم"، وإذا وقع الضرر، فعلى الدولة التي تسببت فيه اتخاذ الإجراءات اللازمة للقضاء عليه أو تخفيفه، مع "مناقشة التعويض" عند الاقتضاء، كما يتضمن الإعلان مبدأ التعاون وتبادل البيانات وتسوية النزاعات سلميا، وفق نص إعلان مبادئ سد النهضة.
لكن الصياغة القانونية لا تقول إن التعويض يصبح مستحقا تلقائيا بمجرد إثبات الضرر. فالنص يتحدث عن مناقشة التعويض، بينما تنص آلية تسوية النزاعات على اللجوء أولا إلى النقاش والتفاوض بحسن نية، ثم إمكانية طلب الوساطة أو إحالة المسألة إلى رؤساء الدول أو الحكومات. ولا ينشئ الإعلان في ذاته محكمة أو هيئة تحكيم تستطيع بصورة تلقائية تحديد مبلغ وإلزام إثيوبيا بدفعه.
أول اختبار: إثبات المخالفات
إذا أرادت القاهرة تحويل فكرة التعويض إلى مطالبة قانونية محددة، فعليها تحديد الالتزام الذي ترى أن إثيوبيا خالفته والفعل الذي أدى إلى ذلك. وقد يتعلق الأمر بقواعد الملء والتشغيل، أو إدارة فترات الجفاف الممتد، أو تبادل البيانات، أو اتخاذ قرار تشغيلي أدى إلى ضرر ذي شأن.
تكتسب هذه النقطة أهمية في ضوء عمل محمد هلال، أستاذ القانون في كلية موريتز بجامعة ولاية أوهايو، الذي شارك في مفاوضات سد النهضة بصفته مستشارا قانونيا للحكومة المصرية، ثم وثق جانبا من تلك المفاوضات، ويشرح هلال أن الهدف الأساسي كان إبرام معاهدة تحكم ملء خزان السد وتشغيله، بما يوضح أن جوهر الخلاف ظل مرتبطا بالقواعد التشغيلية وآليات الالتزام بها، وفقا لمجلة"أوبينيو جوريس" المتخصصة في القانون الدولي.
إثبات الضرر يحتاج إلى ملف فني
لا يكفي أن تسجل مصر انخفاضا في تدفقات المياه ثم تنسب كامل الفارق إلى سد النهضة، بل يجب تحديد الظروف الهيدرولوجية التي كانت ستنشأ في غياب السد، ومقارنتها بما حدث فعلا، وتحديد دور قرارات الملء والتشغيل في أي نقص أو اضطراب، ثم قياس الأثر الاقتصادي الناتج.
تشير دراسة أليس دازا-كلارك، المتخصصة في آليات تسوية نزاعات الموارد المائية الدولية، إلى أن نزاع سد النهضة يتصل بمجموعة من القضايا القانونية والفنية، بينها قواعد استخدام المياه، والالتزامات تجاه دول المصب، وآليات تسوية النزاع. وتوضح الدراسة أن النزاعات المائية العابرة للحدود تحتاج إلى آليات محددة للتوفيق بين المصالح وقواعد القانون الدولي للمياه، وفقا لدراسة دازا-كلارك المنشورة ضمن منصة أبحاث السلام وحل النزاعات التابعة لجامعة إدنبرة.
التعويض كأداة تفاوضية أيضا
طرح الباحثون توبياس فون لوسو ولوكاس ميه وستيفان رول، في دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، فكرة "التعويض" باعتبارها جزءا من مقاربة تفاوضية أوسع يمكن أن تعالج المصالح الاقتصادية المتعارضة بين مصر وإثيوبيا، لكن الدراسة لا تمثل حكما قضائيا باستحقاق مصر مبلغا محددا، بل تقترح نموذجا تفاوضيا لإعادة تشكيل مسار التسوية، وفق المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية.
أين تكمن العقدة الحقيقية؟
تتمثل الحلقة الأصعب في الانتقال من إثبات الضرر إلى إلزام الطرف الآخر بالتعويض عبر الآليات الدولية المعتبرة ذات القرارات الملزمة. فحتى إذا تمكنت مصر من إثبات ضرر ذي شأن وعلاقة سببية بقرار إثيوبي محدد، ستظل هناك حاجة إلى تحديد قيمة الخسائر وآلية قانونية ملزمة للفصل في النزاع وتنفيذ نتائج تلك الآلية.
وتظهر هذه المسألة القانونية بوضوح في وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بالمفاوضات، التي سجلت خلافات حول طبيعة الاتفاق، وآليات تسوية النزاعات، ومدى إلزام قواعد تشغيل السد. كما أظهرت الوثائق أن إثيوبيا رفضت آليات اعتبرتها مصر والسودان ضرورية لضمان تسوية ملزمة وحاسمة للنزاعات المتعلقة بتفسير الاتفاق أو تطبيقه.
ماذا تستطيع مصر أن تطالب به؟
المسار الأكثر تماسكا أمام القاهرة يبدأ بتحديد الالتزام محل المخالفة، وتوثيق القرار أو الإجراء التشغيلي الذي سبب الضرر، وإثبات الضرر الهيدرولوجي والاقتصادي، وإقامة علاقة سببية واضحة، ثم إعداد تقييم مستقل للخسائر، قبل الانتقال إلى التفاوض على التعويض وآلية تسوية النزاع.
يكتسب هذا المسار أهمية أكبر مع استمرار الدعوات إلى استئناف الوساطة الأمريكية، ففي يناير 2026 عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، ورحبت القاهرة بالمبادرة، بينما بقيت القضايا الأساسية متمحورة حول قواعد ملء وتشغيل السد، وإدارة سنوات الجفاف، وآلية تسوية النزاعات.
واختتمت ووتر بوليسي تحليلها بالقول إن الخلاصة القانونية الأكثر دقة هي أن مصر تمتلك أساسا قانونيا لطرح مسألة التعويض إذا ثبت وقوع ضرر ذي شأن في إطار الالتزامات ذات الصلة، لذلك فإن قوة أي مطالبة مصرية ستتوقف على أربعة عناصر هي إثبات المخالفة، وإثبات الضرر، وإثبات السببية، ثم الوصول إلى آلية ملزمة لتحديد التعويض وتنفيذه. وفق إعلان مبادئ 2015 ووثائق الأمم المتحدة والدراسات القانونية المتخصصة.