< مقومات طبية وسياحية.. كيف تراهن مصر على الأقصر في السياحة العلاجية؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مقومات طبية وسياحية.. كيف تراهن مصر على الأقصر في السياحة العلاجية؟

الرئيس نيوز

تتخذ مصر خطوات مكثفة لكي تستعيد للأقصر دورا قديما ارتبط بالعلاج والاستشفاء، لكن هذه المرة بأدوات الطب الحديث، في محاولة لبناء قطاع قادر على جذب المرضى من الخارج وتحويل الرحلة العلاجية إلى تجربة تجمع بين الرعاية الصحية والسياحة والثقافة.

ووفقا لبلومبرج، تستند الفكرة إلى إرث تاريخي طويل؛ فالأقصر، بهوائها الجاف والدافئ شتاء، كانت في القرن التاسع عشر مقصدا لبعض الأوروبيين الباحثين عن الاستشفاء، خصوصا المصابين بأمراض الرئة. واستقر عدد من الزوار لفترات طويلة في المدينة، فيما تطورت خدمات صحية استهدفت السكان والزائرين الأجانب.

واليوم، تعود الأقصر إلى المشهد من بوابة مختلفة، ضمن استراتيجية مصر لزيادة حصتها من سوق السياحة العلاجية العالمية، التي بلغت قيمتها نحو 34 مليار دولار العام الماضي، وفقا لشركة "جراند فيو ريسيرش".

العلاج بجوار المعابد

الميزة التي تراهن عليها مصر لا تتعلق بالخدمات الطبية وحدها. فالمريض القادم إلى الأقصر يمكنه الجمع بين تلقي العلاج وزيارة معابد الكرنك والأقصر ووادي الملوك، بما يخلق نموذجا مختلفا عن السياحة العلاجية التقليدية.

تعمل الهيئة العامة للرعاية الصحية على تطوير خدمات مخصصة للمرضى الدوليين في الأقصر وأسوان وساحل البحر الأحمر، ضمن مبادرة "نرعاك في مصر". وتضم الأقصر حاليا ستة مستشفيات مزودة بأجنحة فندقية، تقدم خدمات في مجالات تشمل التوليد وطب الأطفال والأشعة.

وتراهن الاستراتيجية على الموقع الجغرافي لمصر، الواقعة عند ملتقى ثلاث قارات، وعلى شبكة الطيران والضيافة والسياحة التي يمكن أن تخدم المرضى القادمين من الدول العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية.

قفزة في أعداد المرضى الأجانب

الأرقام تشير إلى نمو سريع في أعداد المرضى الدوليين. فقد استقبلت منشآت الهيئة العامة للرعاية الصحية 13370 مريضا أجنبيا خلال العام الماضي، مقابل 2075 مريضا في 2022، وشملت القائمة مرضى من نحو 124 جنسية.

كما استقبلت المنشآت نحو 8 آلاف مريض أجنبي حتى يوليو من العام الحالي، فيما تستهدف الهيئة رفع إيرادات السياحة العلاجية إلى 6 ملايين دولار خلال العام، مقابل 3.8 مليون دولار في 2025.

وتخطط الهيئة، عبر شراكات مع القطاع الخاص، لإضافة 5 آلاف موقع طبي خلال السنوات الست المقبلة، مع التركيز على تخصصات يرتفع عليها الطلب الدولي، من بينها جراحات القلب والأوعية الدموية والسمنة والتجميل والإخصاب المجهري وطب الأسنان المتقدم.

منافسة تركيا والإمارات

لكن دخول مصر إلى سوق السياحة العلاجية العالمي يضعها في مواجهة وجهات تمتلك خبرة متراكمة وقاعدة عملاء دولية، وعلى رأسها تركيا والإمارات.

وتختلف طبيعة المنافسة بين البلدين؛ إذ ارتبطت تركيا بحجم كبير من نشاط السياحة العلاجية وتكاليف تنافسية في عدد من التخصصات، بينما بنت الإمارات سمعة قوية في الخدمات الطبية المتقدمة والفاخرة.

لذلك، فإن استنساخ نماذج المنافسين قد لا يكون كافيا. والفرصة المصرية تكمن في بناء هوية تجمع بين تكلفة العلاج والخدمات الطبية والسياحة الثقافية، مع الاستفادة من المواقع التاريخية والفنادق والبنية السياحية المنتشرة في المدن المصرية.

تحديات أمام الطموح

ولا تخلو الخطة من تحديات. فالسياحة العلاجية تحتاج إلى معايير صارمة لضمان جودة الرعاية، لأن أي مضاعفات قد تحول الوفر المالي الذي يبحث عنه المريض إلى تكلفة أكبر، كما قد تصبح المسؤولية الطبية أكثر تعقيدا عندما يتلقى المريض العلاج خارج بلده.

وتبرز كذلك مسألة التوازن بين جذب المرضى الأجانب والحفاظ على قدرة النظام الصحي المحلي على خدمة السكان. فانتقال الأطباء المتخصصين وأطقم التمريض إلى منشآت تستهدف المرضى الدوليين يمكن أن يزيد الضغط على الخدمات العامة إذا لم يخضع الأمر لتنظيم واضح.

ولهذا تصبح الرقابة وتوزيع العوائد جزءا أساسيا من نجاح التجربة. ويمكن أن تتحول السياحة العلاجية إلى مصدر لتمويل تطوير البنية الصحية إذا جرى توجيه جزء من الإيرادات نحو تحسين المنشآت وتدريب الكوادر وتوسيع الخدمات.

وبين إرث الأقصر القديم وطموح مصر الحديث، تتحرك السياحة العلاجية من مجرد فكرة مرتبطة بالموقع والمناخ إلى صناعة تحتاج إلى طب متقدم، وخدمة فندقية، وتنظيم صارم، وتسويق دولي. وإذا نجحت هذه العناصر في العمل معا، فقد تصبح الأقصر أكثر من مدينة تستقبل السائح لمشاهدة آثارها؛ بل وجهة يأتي إليها المريض للعلاج، ثم يخرج منها حاملا تجربة سياحية كاملة.