من مدرسة ميناب إلى قمع الاحتجاجات.. تقرير أممي يضع واشنطن وطهران أمام اتهامات خطيرة
دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة قانونية شديدة الحساسية، بعدما خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن إيران التابعة للأمم المتحدة إلى وجود "أسباب معقولة للاعتقاد" بأن القوات الأمريكية ارتكبت جرائم حرب خلال ضربتين جويتين في إيران في فبراير، بينما خلصت البعثة في الوقت نفسه إلى أن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية خلال حملة القمع التي استهدفت الاحتجاجات المناهضة للحكومة. ومن المقرر عرض نتائج التقرير أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، في وقت تتواصل فيه التحقيقات الأمريكية بشأن إحدى الضربات محل الاتهام، وفقا لصحيفة واشنطن بوست.
مدرسة ميناب.. الضربة التي قتلت أكثر من 150 شخصا
تتركز أخطر نتائج التقرير حول الهجوم الذي أصاب مدرسة شاجاره طيبه الابتدائية في مدينة ميناب جنوبي إيران في 28 فبراير، في اليوم الأول للحرب. ووفقا للتقرير، فإن أكثر من 150 شخصا قتلوا في الضربة، بينهم نحو 120 طفلا، بحسب الأرقام التي أوردها مسؤولون إيرانيون.
وقالت بعثة تقصي الحقائق إنها وجدت أسبابا معقولة للاعتقاد بأن القوات الأمريكية كانت مسؤولة عن الهجوم، وإن المدرسة كانت هدفا مدنيا واضحا، ولم تجد أدلة تثبت استخدامها لأغراض عسكرية. واعتبرت أن عدم تحديث معلومات الاستهداف والتحقق من طبيعة المبنى قبل الضربة تجاوز مجرد الإهمال، وخلصت إلى أن الهجوم كان عشوائيا وأدى إلى مقتل مدنيين وإلحاق أضرار بمنشأة مدنية، وهو ما وصفته بأنه جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
وكانت هذه الواقعة قد أثارت جدلا داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد أفادت تقارير سابقة بأن تحقيقا عسكريا أمريكيا أوليا رجح مسؤولية القوات الأمريكية عن الضربة، بينما قال الرئيس دونالد ترامب في يونيو إن استهداف المدرسة لم يكن متعمدا. ولم تعلن وزارة الدفاع الأمريكية حتى الآن نتائج التحقيق النهائي، ما يجعل الاستنتاج الأممي قائما بالتوازي مع التحقيق الأمريكي.
ضربة لامرد تضيف واقعة ثانية
لم يقتصر التقرير على مدرسة ميناب، إذ توصلت البعثة أيضا إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن ضربة أخرى استهدفت منشأة رياضية في مدينة لامرد الإيرانية في اليوم نفسه كانت هجوما عشوائيا.
وقالت البعثة إن الهجوم أدى إلى سقوط 22 قتيلا أو مصابا بين المدنيين، كما ألحق أضرارا بمبان سكنية ومدرسة قريبة. وخلصت إلى أن طبيعة السلاح المستخدم وتأثيراته في منطقة مأهولة حالت دون حصر آثاره في هدف عسكري محدد، وبالتالي اعتبرت الضربة أيضا جريمة حرب. لكن القيادة المركزية الأمريكية نفت في مارس أن تكون القوات الأمريكية قد نفذت ضربة في مدينة لامرد في ذلك اليوم، وهي نقطة خلاف مباشرة بين الرواية الأمريكية والاستنتاج الذي توصلت إليه البعثة الأممية، وفقا لصحيفة ستارز آند سترايبس الأمريكية المتخصصة في الشأن العسكري.
واتهامات لإيران بجرائم ضد الإنسانية
في الجانب الآخر من التقرير، وجهت بعثة الأمم المتحدة اتهامات شديدة الخطورة إلى السلطات الإيرانية بسبب تعاملها مع موجة الاحتجاجات التي بدأت في أواخر ديسمبر الماضي، بعدما تحولت مطالب مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة.
وقالت البعثة إن حملة القمع اتسمت بعمليات قتل غير قانونية وتعذيب واعتقالات تعسفية واختفاء قسري وقيود واسعة على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات. وخلصت إلى أن عددا من هذه الانتهاكات يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والسجن والتعذيب وغيرها من الأفعال اللاإنسانية.
وأشار التقرير إلى أن السلطات الإيرانية أعلنت مقتل 3038 شخصا وإصابة 25 ألفا خلال الاضطرابات، لكن المحققين قالوا إنهم لم يتمكنوا من التحقق بصورة مستقلة من العدد، وإنهم يعتقدون أن الحصيلة الحقيقية قد تكون أعلى. كما أشاروا إلى استخدام عقوبة الإعدام باعتبارها أداة للترهيب والسيطرة، وإلى القيود الواسعة التي فرضتها السلطات على الإنترنت والاتصالات.
واشنطن وطهران أمام اختبار قانوني ودبلوماسي جديد
لا يعني التقرير الأممي صدور أحكام جنائية ضد الولايات المتحدة أو إيران، فبعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة ليست محاكم ولا تملك بمفردها إصدار أحكام أو بدء ملاحقات جنائية. لكن نتائجها يمكن أن تدخل لاحقا في تحقيقات أو إجراءات قضائية أمام محاكم وطنية أو هيئات دولية مختصة.
وتكتسب النتائج أهمية إضافية لأن التقرير يأتي وسط حرب مفتوحة بين واشنطن وطهران، بينما تستمر التحقيقات الأمريكية بشأن ضربة ميناب، وتنفي القيادة العسكرية الأمريكية بعض الوقائع التي نسبتها إليها البعثة. وفي المقابل، ترفض طهران باستمرار اتهامات ارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان، وتقول إن الاضطرابات ارتبطت بجهات إرهابية ومعارضة مدعومة من الخارج.
ووضع التقرير الأممي الطرفين أمام ملفين قانونيين متوازيين عبر اتهامات للقوات الأمريكية بانتهاك قواعد حماية المدنيين في عمليتين عسكريتين محددتين، واستنتاجات بشأن ارتكاب السلطات الإيرانية جرائم ضد الإنسانية في سياق قمع الاحتجاجات. وتبقى الخطوة التالية مرتبطة بمناقشة التقرير داخل مجلس حقوق الإنسان، وبما ستكشفه التحقيقات الأمريكية الجارية بشأن الضربات محل الاتهام.