< الحياة على حافة "الخط الأصفر".. واقع جديد يطارد سكان غزة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

الحياة على حافة "الخط الأصفر".. واقع جديد يطارد سكان غزة

الرئيس نيوز

لم يعد "الخط الأصفر" في غزة مجرد علامة ميدانية تفصل بين مناطق السيطرة الإسرائيلية والمناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون. خلال الأشهر الماضية، تحول الخط إلى واقع متحرك يعيد رسم خريطة القطاع على الأرض، ويدفع سكان المناطق القريبة منه إلى النزوح مرة أخرى كلما اقتربت الكتل الخرسانية الصفراء من منازلهم وملاجئهم، وفقا لصحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية.

أنشئ الخط في إطار اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، وكان يفترض أن يمثل الحد الذي تتمركز خلفه القوات الإسرائيلية خلال المرحلة الأولى من الاتفاق. لكن الخط تحرك تدريجيًا باتجاه الغرب، ما أدى إلى اتساع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتقلص المساحة المتاحة للسكان الفلسطينيين. 

منازل يقترب منها الخط يومًا بعد يوم

في حي الزيتون بمدينة غزة، كان الفلسطيني عاصم دولة يحزم المراتب والحقائب ويضع ما تبقى من ممتلكاته على شاحنة، بينما ظهرت الكتل الصفراء وسط الركام بالقرب منه. وقال إنه اضطر إلى مغادرة مأواه للمرة السابعة أو الثامنة منذ بداية الحرب، بعد أوامر إخلاء وتقدم الخط الأصفر باتجاه المنطقة التي يعيش فيها.

وفي حي التفاح، وصف سكان الوضع بصورة أكثر مباشرة. فقد استيقظ بعضهم ليجدوا الكتل الصفراء على مسافة قريبة جدًا من منازلهم، بينما اضطر آخرون إلى نقل أمتعتهم على عربات أو شاحنات والبحث عن مكان آخر، رغم أن المناطق التي يمكن اللجوء إليها أصبحت شديدة الاكتظاظ. 

ولا تكمن المشكلة فقط في احتمال وصول الخط إلى منزل معين، وإنما في حالة عدم اليقين التي يفرضها تحركه. ففي دير البلح، قال سكان إن المسافة بين الخط وملاجئهم تقلصت من نحو كيلومتر إلى قرابة مئة متر خلال أسابيع، ما جعل الإقامة في المكان تبدو مؤقتة حتى بالنسبة إلى الأسر التي حاولت التمسك بما تبقى من منازلها وأراضيها.

وبالنسبة لكثير من السكان، أصبح الانتقال قرارًا اضطراريًا لا يرتبط فقط بالقصف، بل أيضًا بالخوف من أن يصبح المنزل فجأة قريبًا من منطقة عسكرية لا يمكن الاقتراب منها.

خط يتحرك وقطاع ينكمش

تكشف صور الأقمار الصناعية والتقارير الميدانية أن المسألة لا تقتصر على نقل الكتل الخرسانية الصفراء. فقد شرعت القوات الإسرائيلية في بناء حاجز ترابي طويل داخل غزة، يمتد لمسافات كبيرة بمحاذاة المنطقة التي يمر فيها الخط الأصفر، ما يرسخ الانقسام الجغرافي داخل القطاع.

وبحسب تحليل صور الأقمار الصناعية، امتد الحاجز لمسافة تزيد على 14 ميلًا، أي أكثر من نصف طول قطاع غزة تقريبًا. وأكد جيش الاحتلال الإسرائيلي لوكالة أسوشيتد برس أنه بنى حاجزًا ماديًا في منطقة الخط الأصفر، وهي المنطقة التي انسحبت إليها القوات الإسرائيلية في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

وتحولت الكتل الصفراء بذلك من علامات ميدانية إلى مؤشرات على واقع جغرافي جديد. فكلما تحركت شرقًا أو غربًا، تغيرت مساحة الوصول إلى الأراضي الزراعية والطرق والمباني، وأصبح سكان المناطق المحاذية أمام سؤال مستمر حول ما إذا كان بإمكانهم البقاء في أماكنهم.

الزراعة والعمل تحت التهديد

لا يخسر سكان الخط الأصفر مساكنهم فقط. فاقتراب المنطقة العسكرية من الأراضي الزراعية يهدد أيضًا مصادر الدخل التي تعتمد عليها أسر كثيرة.

في دير البلح، تحدثت تقارير عن مزارعين حاولوا حصاد محاصيلهم قبل نضجها، خوفًا من فقدان فرصة الوصول إليها لاحقًا إذا تقدم الخط أكثر. وتحول العمل في الأرض إلى سباق مع الزمن، إذ لا يعرف المزارعون متى تصبح أراضيهم ضمن منطقة يصعب أو يستحيل الوصول إليها. 

وهذا يعني أن أثر الخط يتجاوز مسألة النزوح المباشر. فكل منطقة جديدة تقع خلفه قد تعني فقدان منزل أو مزرعة أو طريق أو مصدر دخل، بينما يتعين على السكان الذين ينتقلون إلى الغرب أن يتشاركوا مساحة أصغر مع أعداد أكبر من النازحين.

مساحة أضيق لملايين السكان

عندما ظهر الخط الأصفر للمرة الأولى، كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو 53% من القطاع. وبحلول يونيو 2026، ارتفعت النسبة إلى نحو 64.9% وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بينما واصلت إسرائيل توسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها.

وفي مايو الماضي، أمر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش بالاستعداد للسيطرة على 70% من غزة، في خطوة أثارت مخاوف بشأن مستقبل وقف إطلاق النار ومستقبل السكان المدنيين في المناطق التي يمكن أن تنتقل إلى نطاق السيطرة العسكرية، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز.

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أنها لا تعكس مجرد تغيرات على الخريطة. فغزة تضم أكثر من مليوني شخص في مساحة صغيرة للغاية، وكل توسع في المنطقة المغلقة أو الخاضعة للسيطرة العسكرية يعني مزيدًا من الضغط على الجزء المتبقي الذي يعيش فيه معظم السكان.

الاقتراب من الخط قد يعني الموت

لا يمثل تجاوز الخط أو الاقتراب منه مجرد مخالفة لحدود مرسومة على الأرض. فقد أصبحت المنطقة المحيطة به شديدة الخطورة بالنسبة إلى المدنيين.

وأفادت بيانات أممية بأن 196 فلسطينيًا، بينهم 18 امرأة و43 طفلًا، قتلوا في هجمات إسرائيلية بالقرب من الخط الأصفر منذ بدء وقف إطلاق النار وحتى أوائل أبريل. وتقول إسرائيل إن بعض هذه الهجمات جاء ردًا على تهديدات اعتبرتها مباشرة ضد قواتها. المصدر: لوس أنجلوس تايمز، نقلًا عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 9 أغسطس 2026.

كما وصف جنود إسرائيليون تحدثوا إلى لوس أنجلوس تايمز المنطقة المحيطة بالخط بأنها مساحة شديدة الغموض، حيث يمكن أن يؤدي الاقتراب منه إلى إطلاق النار. وتزيد هذه الظروف من صعوبة الحياة اليومية لسكان مدنيين لا يعرفون بدقة أين تبدأ المنطقة المحظورة وأين تنتهي، ولا يستطيعون دائمًا معرفة ما إذا كانت العلامات الموضوعة اليوم ستظل في المكان نفسه غدًا.