< انقسام عميق.. هل نجح رئيس الوزراء الاثيوبي في التلاعب بالرأي العام والحفاظ على نظام مأزوم؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

انقسام عميق.. هل نجح رئيس الوزراء الاثيوبي في التلاعب بالرأي العام والحفاظ على نظام مأزوم؟

الرئيس نيوز

سلطت مجلة بوركينا الضوء على المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد مع مؤسسة إعلام أمهرة (AMICO)، إذ أثارت المقابلة موجة من الجدل، بعدما قدم خلالها رسائل تدعو إلى الصبر والوحدة وتجاوز الخلافات، وتأتي المقابلة في خضم التوترات السياسية والأمنية التي تشهدها إثيوبيا. لكن الكاتب الإثيوبي غرما كيبيدي، المقيم في لندن، قدم قراءة متشائمة تمامًا للمقابلة، معتبرًا أنها محاولة سياسية لإعادة ترتيب صورة الحكومة أمام الرأي العام في وقت تواجه فيه تحديات داخلية متزايدة.

يرى الكاتب أن الخطاب الرسمي ركز على تهدئة المخاوف، لكنه لم يقدم بعد، وربما لن يقدم لاحقا، إجابات كافية حول أسباب الأزمة أو مطالب الفئات المتضررة.

من وعود الإصلاح إلى صراع الهوية والسياسة

يبدأ الكاتب تحليله بالعودة إلى عام 2018، عندما وصل آبي أحمد إلى السلطة وسط آمال واسعة بإحداث تغيير سياسي وإنهاء سنوات من الاحتقان. ويقول إن مشروع "التآزر" أو "مِدَمَر" الذي رفع رايته رئيس الوزراء في بدايات حكمه تحول تدريجيا إلى مسار سياسي أكثر انقسامًا، اتسم بتصاعد الخلافات القومية والصراعات المسلحة. ويشير الكاتب إلى أن مناطق عدة في إثيوبيا شهدت خلال السنوات الماضية اضطرابات عنيفة، وأن سكانًا من قومية الأمهرة تعرضوا لعمليات قتل ونزوح واعتقالات واسعة، وهي قضايا أصبحت في قلب الصراع السياسي بين الحكومة وخصومها.

"المشكلات المؤقتة".. وصف يثير الغضب

أحد أبرز محاور انتقاد الكاتب يتعلق باستخدام آبي أحمد تعبير "المشكلات المؤقتة" أثناء حديثه عن التحديات التي تواجه البلاد. ويرجح كيبيدي أن هذا الوصف يقلل من حجم المعاناة التي عاشها المدنيون، وأن الأزمات المرتبطة بسقوط ضحايا وتشريد السكان والصراع المسلح لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عقبات عابرة في طريق التنمية. وبحسب الكاتب، فإن أي مسار للمصالحة يحتاج إلى الاعتراف بحجم الضرر الذي تعرض له المتضررون، وليس الاكتفاء بالدعوة إلى التحمل والصبر.

هل المعارضة أزمة أفراد أم نتيجة سياسات؟

انتقد الكاتب أيضًا محاولة الحكومة تفسير المعارضة باعتبارها ناتجة عن طموحات شخصية أو مصالح مالية لبعض المنتقدين. ويرى أن هذا التفسير يتجاهل، من وجهة نظره، الأسباب العميقة التي دفعت قطاعات من المجتمع إلى رفض سياسات الحكومة، مؤكدًا أن الاحتجاجات والصراعات لا يمكن اختزالها في نشاط إعلامي أو مكاسب فردية.

وفي هذا السياق، يدافع الكاتب عن حركة "فانو"، معتبرًا أنها تعبير عن حالة غضب محلية مرتبطة بمخاوف أمنية وسياسية لدى شريحة من الأمهرة، وليس مجرد ظاهرة مرتبطة بالفضاء الإلكتروني أو المعارضة الخارجية.

التاريخ المشترك.. بين الوحدة السياسية وحسابات الواقع

خلال المقابلة، ركز آبي أحمد على الروابط التاريخية بين مختلف مكونات الشعب الإثيوبي، وخاصة العلاقات التاريخية بين الأمهرة والأورومو، مستشهدًا بمحطات وطنية مثل معركة عدوة. ويرى الكاتب أن استخدام التاريخ يمكن أن يكون أداة مهمة لبناء التقارب، لكنه ينتقد توظيفه في ظل استمرار الخلافات الحالية. ويقول كيبيدي إن استحضار رموز الماضي لا يكفي وحده لإعادة بناء الثقة، ما لم ترافقه خطوات عملية تعالج المخاوف السياسية والأمنية القائمة.

"فلنسبح معًا".. دعوة للتعاون أم تجاهل للمحاسبة؟

من أكثر العبارات التي أثارت الجدل في خطاب آبي أحمد تشبيهه تجاوز الأزمة بعبور نهر يتطلب من الجميع السباحة معًا بدلًا من الاعتراض على المياه. لكن الكاتب يرى أن هذا التشبيه يحمل إشكالية أساسية، لأن التعاون لا يمكن أن يطلب من المتضررين قبل معالجة قضايا العدالة والمساءلة. ويؤكد كيبيدي أن السلام الدائم لا يقوم فقط على الدعوة إلى الوحدة، بل يحتاج إلى معالجة أسباب الصراع ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

شروط المصالحة من وجهة نظر الكاتب

يختتم غرما كيبيدي مقاله بالتأكيد على أن أي حل سياسي في إثيوبيا يجب أن يقوم على مجموعة من المبادئ، أبرزها الاعتراف بالانتهاكات والتحقيق فيها عبر آليات مستقلة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والصحفيين، وفق مطالب المعارضة، وعدم استخدام مفهوم الوحدة لتجاوز مطالب العدالة.
ضمان الأمن والمساواة لجميع المكونات الإثيوبية.

إثيوبيا أمام اختبار سياسي حاسم

تعكس الانتقادات التي وجهها الكاتب حجم الانقسام العميق حول مستقبل إثيوبيا. فبينما ترى الحكومة أن الأولوية يجب أن تكون لتجاوز الخلافات وبناء الدولة، يرى خصومها أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من معالجة جذور الأزمة. وبين خطاب المصالحة ومطالب المحاسبة، يبقى مستقبل البلاد مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على إيجاد صيغة تجمع بين الأمن والعدالة والوحدة الوطنية.