الأحد 02 أغسطس 2026 الموافق 19 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

حظر ثم تراجع.. كيف أشعل نموذج Fable 5 الجدل داخل الولايات المتحدة؟

الرئيس نيوز

أثار قرار الإدارة الأمريكية في يونيو 2026 بتعليق الوصول إلى نموذج الذكاء الاصطناعي Fable 5، الذي طورته شركة أنثروبيك، جدلًا واسعًا تجاوز حدود التكنولوجيا ليصل إلى صلب النقاش حول كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. 

فبعد أقل من ثلاثة أسابيع، رُفع الحظر واستعادت الشركة إتاحة النموذج عالميًا، لكن الأزمة كشفت عن فراغ تشريعي مهم: لا توجد حتى الآن آلية قانونية واضحة وشفافة تحدد متى وكيف تستطيع الحكومة الأمريكية وقف نموذج ذكاء اصطناعي مطور من قبل القطاع الخاص، وفقا لموقع المجلس الأطلسي.

ويرى مراقبون أن ما حدث لا يمثل مجرد خلاف بين الحكومة وإحدى شركات التكنولوجيا، بل يشكل سابقة قد تؤثر في مستقبل صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن السيبراني والاستخدامات العسكرية لهذه النماذج.

كيف بدأت الأزمة؟

في مطلع يونيو 2026، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يوجه الوكالات الفيدرالية إلى إعداد إطار تنظيمي يسمح لشركات الذكاء الاصطناعي بمشاركة نماذجها المتقدمة طوعًا مع الحكومة لإجراء مراجعات أمنية قبل طرحها للجمهور.

لكن بعد أيام قليلة فقط، اتخذ مكتب الصناعة والأمن بوزارة التجارة الأمريكية مسارًا مختلفًا، عندما استخدم صلاحيات ضوابط التصدير لإجبار شركة أنثروبيك على وقف إتاحة نموذجي Fable 5 وMythos 5 أمام جميع غير الأمريكيين، بمن فيهم موظفو الشركة الأجانب، مع مهلة تنفيذ قصيرة للغاية. وأوضحت الشركة أنها لا تمتلك وسيلة عملية للتحقق الفوري من جنسية جميع المستخدمين، ما دفعها إلى تعليق الخدمة بالكامل بدلًا من تطبيق قيود انتقائية.

ولم تكشف الحكومة في ذلك الوقت عن تهديد محدد يبرر هذا الإجراء الاستثنائي، بينما نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول في البيت الأبيض أن القرار جاء بعد فشل محاولات إقناع الشركة بالتعاون بصورة طوعية.

ثغرات أمنية أم مبالغة في رد الفعل؟

جاء القرار عقب تقارير أفادت بأن باحثين تمكنوا من تجاوز بعض آليات الحماية المدمجة داخل Fable 5، بما سمح للنموذج بتنفيذ مهام متقدمة في الأمن السيبراني كان يفترض أن تمنعها القيود البرمجية.

وأثارت هذه النتائج مخاوف من إمكانية استغلال النموذج في شن هجمات إلكترونية متطورة إذا أصبحت تلك الأساليب متاحة على نطاق واسع.

لكن أنثروبيك رفضت هذا التوصيف، مؤكدة أن القدرات التي أظهرها الباحثون ليست فريدة، وأن نماذج أخرى متوافرة بالفعل تستطيع أداء المهام نفسها، كما يستخدمها خبراء الأمن السيبراني بصورة مشروعة في عمليات الدفاع الرقمي.

وانضم أكثر من مئة خبير في الأمن السيبراني إلى هذا الرأي عبر رسالة مفتوحة، معتبرين أن قرار الحظر لم يستند إلى أدلة تثبت وجود خطر استثنائي يميز Fable 5 عن غيره من النماذج المنافسة.

تناقض داخل مؤسسات الدولة

كشفت الأزمة أيضًا عن اختلاف واضح في مواقف المؤسسات الأمريكية تجاه الشركة نفسها. ففي مارس 2026، صنفت وزارة الدفاع الأمريكية أنثروبيك باعتبارها تمثل خطرًا على سلسلة التوريد، وهو تصنيف يستخدم عادة ضد جهات أجنبية معادية، بينما كانت وزارة التجارة في الوقت نفسه تتعاون مع الشركة ضمن برامج لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها.

وعندما رفعت وزارة التجارة القيود لاحقًا، أعلنت أن الشركة وافقت على تعزيز آليات اكتشاف المخاطر الأمنية، والتنسيق المسبق بشأن النماذج المستقبلية، والإبلاغ عن أي استخدامات خبيثة، مع قصر استخدام نموذج Mythos 5 على مؤسسات أمريكية معتمدة.

غير أن تفاصيل الاتفاق بقيت سرية، ولم تُنشر معايير يمكن أن تستفيد منها الشركات الأخرى في المستقبل، وهو ما أثار تساؤلات حول غياب الشفافية.

لماذا يعد استخدام قوانين التصدير إشكاليًا؟

يشير التحليل إلى أن قوانين الرقابة على الصادرات صممت أساسًا لمنع استخدام تقنيات معينة في تطوير الأسلحة أو التطبيقات العسكرية، وليس لإغلاق خدمة ذكاء اصطناعي تجارية بالكامل أمام فئة واسعة من المستخدمين.

وفي حالة Fable 5، لم تربط الحكومة قرارها باستخدام محظور بعينه، وإنما أوقفت النموذج بصورة شاملة لجميع المستخدمين الأجانب، وهو ما اعتبره كثيرون توسعًا غير مسبوق في استخدام أدوات تنظيم التجارة الخارجية لمعالجة قضية تتعلق بالذكاء الاصطناعي.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن مثل هذه القرارات قد تخلق حالة من عدم اليقين لدى الشركات المطورة، وتجعل الاستثمار في النماذج المتقدمة أكثر مخاطرة إذا كان من الممكن تعليقها بقرار إداري مفاجئ.

ثلاث إصلاحات مقترحة

يقترح التقرير ثلاثة مسارات لتجنب تكرار هذه الأزمة مستقبلًا. أولها، وضع معايير علنية تحدد الحالات التي تسمح للحكومة بتقييد نموذج ذكاء اصطناعي، مع توضيح مستوى الخطورة المطلوب، وفترة الإخطار، وآليات الطعن في القرار، ثم تحويل هذه المعايير إلى قانون يقره الكونجرس.

وثانيها، توزيع المسؤوليات بوضوح بين المؤسسات الحكومية، بحيث يتولى المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) عبر مركزه المختص تقييم النماذج، بينما تقتصر وزارة التجارة على تنفيذ القيود إذا ثبت وجود خطر حقيقي، مع مساهمة وكالة الأمن السيبراني في تقديم المعلومات الاستخباراتية اللازمة.

أما الإصلاح الثالث، فيتمثل في اشتراط وجود أدلة مكتوبة تثبت وجود ضرر واسع ومستمر قبل إصدار أي قرار طارئ بوقف نموذج تجاري، مع إخطار الكونجرس خلال 48 ساعة، وجعل أي قرار استثنائي محدود المدة ما لم تقدم أدلة جديدة لتجديده.

ما الذي تعنيه القضية لمستقبل الذكاء الاصطناعي؟

ترى الدراسة أن القضية لا تتعلق بشركة أنثروبيك وحدها، بل تمثل اختبارًا لطريقة تعامل الحكومات مع تقنيات الذكاء الاصطناعي مستقبلًا. فإذا بقيت القرارات تعتمد على إجراءات غير معلنة ومفاوضات مغلقة، فقد تواجه الشركات حالة دائمة من الغموض بشأن الحدود القانونية لمنتجاتها. 

أما إذا وضعت قواعد واضحة وشفافة يقرها الكونجرس، فسيصبح من الممكن تحقيق توازن أفضل بين حماية الأمن القومي وتشجيع الابتكار، مع توفير ضمانات قانونية تسمح بمراجعة أي قرار استثنائي ومحاسبة الجهات التي تتخذه.