الأحد 02 أغسطس 2026 الموافق 19 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

نيويورك تايمز: كيف خضعت شركة محاماة كبرى لضغوط ترامب؟

الرئيس نيوز

في تحقيق استقصائي مطول نشرته صحيفة نيويورك تايمز، في عددها الصادر في عطلة نهاية الأسبوع، كشف الصحفيان مايكل إس. شميدت وجيسيكا سيلفر-غرينبيرج كيف تحولت إحدى أبرز شركات المحاماة الأمريكية، "بول وايس، ريفكيند، وارتون وجاريسون"، من رمز للمقاومة التقدمية ضد دونالد ترامب إلى أول شركة كبرى تنحني للتيار الكاسح، ثم سرعان ما تخضع أمام ضغوطه، مما فتح الباب أمام استسلام شبه جماعي في عالم شركات المحاماة الكبرى.

تاريخ من الوقوف في وجه السلطة


على مدار عقود طويلة، كانت بول وايس معروفة بتراثها التقدمي. وشاركت شركة المحاماة في قضايا الحقوق المدنية، وخلال ولاية ترامب الأولى وقفت علنًا ضد سياساته. قاد رئيسها السابق براد كارب معارك قضائية ضد فصل الأطفال المهاجرين عن آبائهم، واستضاف شركاؤها حفلات جمع تبرعات اللجوء برعاية إدارة بايدن، وساعد بعضهم كامالا هاريس في التحضير للمناظرات. كانت الشركة رمزًا لـ" المقاومة القانونية" داخل أوساط النخبة الأمريكية.

لكن هذا التراث اصطدم في مارس 2025 بواقع جديد. أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يستهدف بول وايس تحديدًا، وبين إجراءات أخرى، تقرر تعليق تصاريح الأمن لموظفيها، والحد من دخولهم المباني الحكومية، وأجبرت إدارة ترامب المقاولين والمتعاقدين الحكوميين على الإفصاح عن تعاملاتهم معها. اعتبر كثيرون الأمر غير دستوري وانتقامًا سياسيًا، خاصة بسبب توظيف الشركة سابقًا لمارك بوميرانز، الذي شارك في التحقيقات ضد ترامب في نيويورك.

الاستسلام السريع


بدلًا من اللجوء إلى المحاكم كما فعلت شركات أخرى، مثل بيركنز كوي، جينر آند بلوك، ويلمر هيل، اختار كارب التفاوض. وخلال أيام التقى ترامب في المكتب البيضاوي، وخرج باتفاقية مؤداها إلغاء الأمر التنفيذي مقابل التزام الشركة بـ40 مليون دولار من الخدمات القانونية المجانية، لأسباب وقضايا تحظى بدعم ترامب مثل مساعدة المحاربين القدامى، ومكافحة معاداة السامية، وملف العدالة في النظام القضائي، بالإضافة إلى إعلان حياد سياسي في اختيار العملاء والتوظيف، والتخلي عن سياسات التنوع والمساواة والشمول (DEI) لصالح التوظيف على أساس الجدارة، والاعتراف بأخطاء بوميرانز.

وكان الاتفاق بمثابة صدمة. ووصف محامون بارزون الخطوة بالانهيار والاستسلام المهين. ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، قال أحد المعلقين إن الشركة "طوت نفسها مثل بدلة رخيصة" ووضعت نفسها في أرفف ملابس الرئيس. وأدى الاتفاق إلى موجة استسلام شملت 8 شركات أخرى حذت حذوها، ملتزمة بما يقرب من مليار دولار من العمل المجاني لأسباب مفضلة لدى الإدارة.

جذور التحول: الأرباح قبل المبادئ


كشف التحقيق أن الاستسلام لم يكن مفاجئًا تمامًا. على مدى سنوات، شهدت الشركة صراعًا داخليًا بين جيل من المحامين التقاضيين التقليديين، الذين يرون المحاماة رسالة، وجيل جديد من محامي الشركات الذين يركزون على الأرباح.

وتحت قيادة كارب، تحولت الشركة تدريجيًا نحو العمل التجاري المربح، مما جعلها أكثر حساسية لأي تهديد لعملائها الكبار أو قدرتها على التعامل مع الحكومة الفيدرالية.

كشفت الوثائق الداخلية والمقابلات أن الخوف من خسارة العملاء والعقود الحكومية كان الدافع الرئيسي. في رسالة داخلية، وصف كارب الوضع بـ"أزمة وجودية". لكن الثمن كان باهظًا بما في ذلك الاستقالات، والاتهامات بخيانة مبادئ الشركة، وفقدان بعض العملاء الذين فضلوا شركات أهرى رفضت الاستسلام لإدارة ترامب.

التداعيات الأوسع


أصبحت بول وايس نموذجًا لكيف يمكن لترامب أن يكسر المؤسسات. وأدى اتفاقها إلى تشجيع ضغوط مماثلة على جامعات وشركات ومؤسسات أخرى. في الوقت نفسه، خسرت بعض الشركات المستسلمة عملاء كبارًا (مثل مايكروسوفت التي تحولت إلى شركات قاومت)، بينما حافظت الشركات التي قاضت الإدارة وفازت بأحكام قضائية على سمعتها كمدافعة عن سيادة القانون.

وبعد أكثر من عام، لا تزال التداعيات مستمرة، فاستمرت الاستقالات، والدعاوى الأخلاقية، والأسئلة حول ما إذا كانت كبرى شركات المحاماة قادرة بعد على الوقوف في وجه السلطة عندما تتعارض مواقفها المبدئية مع مصالحها المالية.

وتقول نيويورك تايمز إن هذه ليست مجرد قصة شركة محاماة، بل قصة تحول في موازين القوى داخل النخبة الأمريكية؛ من المقاومة إلى الحسابات التجارية، ومن المبادئ إلى اتباع غريزة البقاء. وكما خلص التحقيق، فإن بول وايس لم تستسلم فقط لنفسها، بل رسمت خريطة الطريق السهل أمام الآخرين.