160 مليون مواطن في خطر.. موجة حارة ترفع حالة طوارئ في شبكة الكهرباء الأمريكية
تواجه الولايات المتحدة أحد أصعب اختبارات البنية التحتية للطاقة هذا الصيف، بعدما دفعت موجة حر استثنائية السلطات الفيدرالية إلى إعلان حالة طوارئ لحماية شبكة الكهرباء من الانهيار، في ظل توقعات بتسجيل مستويات قياسية في استهلاك الطاقة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في عشرات الولايات، بحسب شبكة ABC News.
تغطي موجة الحر نحو 30 ولاية أمريكية، فيما يخضع ما يقرب من 160 مليون شخص لتحذيرات من درجات حرارة شديدة الخطورة، وسط توقعات بأن تتجاوز درجات الحرارة المحسوسة 43 درجة مئوية في عدد من المدن الكبرى، مع رطوبة مرتفعة تزيد الإحساس بالحرارة وتضاعف الضغط على أنظمة التبريد.
تحرك عاجل من وزارة الطاقة
وأعلنت وزارة الطاقة الأمريكية تفعيل حالة طوارئ خاصة بشبكة الكهرباء، موجهة أكبر مشغل لشبكات نقل الكهرباء في البلاد، شركة PJM Interconnection، لاتخاذ إجراءات استثنائية للحفاظ على استقرار الإمدادات الكهربائية ومنع حدوث انقطاعات واسعة خلال ذروة الاستهلاك.
تخدم هذه الشبكة نحو 65 مليون مشترك في العاصمة واشنطن و13 ولاية، ما يجعلها أكبر منظومة كهرباء مترابطة في الولايات المتحدة، وتتحمل مسؤولية تشغيل واحدة من أكثر الشبكات تعقيدا في العالم.
أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن ضمان استمرار إمدادات الكهرباء للمنازل والمستشفيات والمنشآت الحيوية يمثل أولوية قصوى، معتبرا أن استقرار الشبكة "غير قابل للتفاوض" في ظل الظروف المناخية الحالية.
إجراءات استثنائية لتخفيف الأحمال
للحد من الضغوط المتزايدة، شملت قرارات الطوارئ مطالبة مراكز البيانات والمنشآت الصناعية الكبرى التي تمتلك مولدات احتياطية بتقليص اعتمادها على الشبكة العامة، بما يسمح بتوفير كميات إضافية من الكهرباء للاستخدامات الأساسية.
تأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه مراكز البيانات، التي تشغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية، من أكثر القطاعات استهلاكا للطاقة داخل الولايات المتحدة، ما جعلها جزءا أساسيا من خطط إدارة الأحمال خلال فترات الذروة.
أرقام قد تحطم سجلات عمرها 20 عاما
تتوقع شركة التوزيع أن يصل الطلب على الكهرباء إلى أكثر من 166 ألف ميجاواط خلال ساعات الذروة، وهو مستوى قد يتجاوز الرقم القياسي المسجل منذ عام 2006، عندما شهدت الولايات المتحدة إحدى أكبر موجات الحر في تاريخها الحديث.
لا يقتصر الضغط على شبكة واحدة، إذ أعلنت أيضا هيئات تشغيل الكهرباء في ولايات نيويورك والغرب الأوسط أنها تستعد لاحتمال تسجيل مستويات تاريخية في الطلب على الطاقة، مع استمرار تشغيل أجهزة التكييف لساعات طويلة على امتداد اليوم.
الحرارة لا تتوقف عند النهار
تكمن خطورة الموجة الحالية في أن درجات الحرارة الليلية تبقى مرتفعة بصورة غير معتادة، وهو ما يحرم محطات الكهرباء من فترات الراحة التقليدية التي تستغل عادة لإجراء أعمال الصيانة الدورية أو تخفيض الأحمال.
يرى خبراء الطاقة أن استمرار الحرارة طوال الليل يعني بقاء الطلب على الكهرباء مرتفعا على مدار 24 ساعة، وهو سيناريو يزيد الضغوط التشغيلية على الشبكات ويقلص هامش المناورة أمام المشغلين.
عطلة الاستقلال تزيد الأزمة تعقيدا
تتزامن موجة الحر مع عطلة الرابع من يوليو، إحدى أكثر فترات العام استهلاكا للكهرباء في الولايات المتحدة، حيث يقضي ملايين الأمريكيين عطلتهم داخل المنازل مع تشغيل أجهزة التكييف بصورة متواصلة.
يتوقع الخبراء أن يصبح التبريد المنزلي المصدر الأكبر للطلب على الكهرباء خلال ساعات الظهيرة والمساء، وهو ما يرفع احتمالات وصول الأحمال إلى مستويات قياسية في عدد من الولايات.
انقطاعات محدودة تظل خيارا مطروحا
رغم تأكيد مشغلي الشبكات استعدادهم لمواجهة الظروف الحالية، فإن خبراء الطاقة لا يستبعدون اللجوء إلى انقطاعات كهربائية مؤقتة ومحدودة في بعض المناطق إذا تجاوز الطلب قدرة الشبكات على الاستجابة، باعتبارها وسيلة لحماية المنظومة الكهربائية من انهيار أشمل.
كما تواجه بعض الولايات تحديا إضافيا يتمثل في تراجع فرص استيراد الكهرباء من كندا، التي تشهد بدورها موجة حر قوية رفعت الطلب المحلي على الطاقة، ما يقلص كميات الكهرباء المتاحة للتصدير إلى الولايات الأمريكية المجاورة.
اختبار حقيقي للبنية التحتية الأمريكية
تسلط الأزمة الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه شبكات الكهرباء في الولايات المتحدة مع تكرار الظواهر المناخية المتطرفة، وارتفاع استهلاك الطاقة الناتج عن التوسع في استخدام أجهزة التبريد، إلى جانب النمو السريع لمراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
في ظل استمرار موجات الحر واتساع نطاقها الجغرافي، تبدو شبكة الكهرباء الأمريكية أمام اختبار صعب قد يرسم ملامح السياسات المستقبلية الخاصة بالطاقة، ويعيد النقاش حول الحاجة إلى تعزيز الاستثمارات في الشبكات الذكية، وتوسيع قدرات التوليد، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لضمان استقرار الإمدادات خلال الظروف المناخية القاسية.