من يخلف ستارمر حال رحيله؟ كابوس سياسي يطارد حزب العمال البريطاني
قبل أقل من عامين فقط، دخل كير ستارمر مقر رئاسة الحكومة البريطانية باعتباره الرجل الذي أعاد حزب العمال من سنوات التيه والمعارضة إلى السلطة، يومها بدا المشهد وكأن الحزب طوى صفحة الانقسامات التاريخية، واستعاد قدرته على حكم بريطانيا بثقة واستقرار. لكن السياسة البريطانية لا تمنح أحدا وقتا طويلا للاحتفال، وفقا لصحيفة فايننشيال تايمز.
اليوم، يقف ستارمر وسط واحدة من أخطر الأزمات الداخلية التي واجهها حزب العمال منذ عقود. تمرد داخل الكتلة البرلمانية، غضب انتخابي يتوسع في الشارع، ووجوه بارزة بدأت تتحرك بهدوء استعدادا لمعركة خلافة قد تنفجر في أي لحظة.
انتخابات محلية تتحول إلى زلزال سياسي
جاءت الشرارة الأولى في أعقاب الانتخابات المحلية الأخيرة، التي تحولت إلى كابوس سياسي لحزب العمال البريطاني، النتائج لم تكن مجرد خسائر محدودة يمكن احتواؤها، بل بدت أقرب إلى تصويت عقابي ضد حكومة لم تكمل عامها الثاني بعد.
وخسر الحزب مئات المقاعد في المجالس المحلية، بينما حقق حزب “ريفورم يو كي” اليميني اختراقات واسعة مستفيدا من الغضب الشعبي تجاه قضايا الهجرة والاقتصاد، في حين واصل حزب الخضر استقطاب الناخبين الشباب والتيار التقدمي المحبط من أداء الحكومة، وفقا لصحيفة الجارديان.
وداخل وستمنستر، تعامل كثير من النواب مع النتائج باعتبارها جرس إنذار خطيرا، لا سيما أن التراجع جاء بسرعة صدمت حتى قيادات الحزب نفسها.
تراكم الأزمات يخنق حكومة ستارمر
لكن الحقيقة أن أزمة كير ستارمر لم تبدأ مع الانتخابات المحلية. فقبلها كانت حكومته تواجه سلسلة طويلة من الملفات الشائكة التي أضعفت صورته تدريجيا أمام الرأي العام البريطاني.
وأثارت موجة الجدل حول تقليص دعم التدفئة الشتوية للمسنين غضبا واسعا، ثم جاءت الانتقادات المتعلقة بالهدايا السياسية والتعيينات المثيرة للجدل داخل الحكومة، لتزيد من الضغوط على داونينج ستريت. وفي الخلفية، كانت أزمة الهجرة وتباطؤ الاقتصاد تواصل استنزاف شعبية الحكومة.
ومع كل أزمة جديدة، بدأت أصوات داخل حزب العمال تتساءل عما إذا كان ستارمر قادرا فعلا على خوض الانتخابات المقبلة وتحقيق الفوز من جديد.
استقالة مدوية تهز 10 داونينج ستريت
الضربة الأكثر إيلاما جاءت من داخل الحكومة نفسها، عندما أعلن وزير الصحة السابق استقالته برسالة سياسية حادة اعتبرها مراقبون بداية علنية لمعركة إسقاط ستارمر.
الوزير المستقيل تحدث بصراحة غير معتادة عن “غياب الرؤية” و”التيه السياسي” داخل القيادة الحالية، مؤكدا أن الحزب يحتاج إلى بداية جديدة إذا أراد استعادة ثقة الناخبين.
ولأن الرجل كان يعد من أبرز وجوه الحكومة وأكثرها حضورا، تحولت استقالته إلى لحظة فارقة داخل حزب العمال البريطاني، وفتحت الباب أمام الحديث بشكل علني عن مرحلة ما بعد ستارمر.
المصادر: ذا آيريش تايمز، آي تي في نيوز، سي إن إن.
“ملك الشمال” يدخل دائرة الخلافة
وسط هذا المشهد المضطرب، بدأ اسم عمدة مانشستر الكبرى يتردد بقوة باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر.
الرجل الذي تصفه بعض الصحف البريطانية بـ”ملك الشمال” نجح خلال السنوات الماضية في بناء صورة سياسية مختلفة، تجمع بين الخطاب التقدمي والقدرة على مخاطبة الطبقة العاملة التي بدأت تبتعد عن حزب العمال.
شعبيته المتصاعدة في شمال إنجلترا جعلته خيارا جذابا لعدد متزايد من النواب القلقين من صعود اليمين الشعبوي، خاصة أن استطلاعات الرأي تظهر أنه أكثر قدرة على التواصل مع الناخبين الغاضبين من القيادة الحالية.
لكن مشكلته الأساسية أنه ليس عضوا في البرلمان حاليا، وهو ما يعني أن طريقه إلى قيادة الحزب لا يزال مليئا بالعقبات الإجرائية والسياسية.
أنجيلا رينر.. ابنة الطبقة العاملة تتحرك بصمت
في المقابل، تراقب أنجيلا رينر المشهد من موقع بالغ الحساسية. نائبة رئيس الوزراء تدرك أن اسمها حاضر بقوة في كل النقاشات المتعلقة بمستقبل الحزب، حتى وإن تجنبت الدخول في مواجهة مباشرة مع ستارمر حتى الآن.
رينر تمثل بالنسبة لكثير من أعضاء الحزب العودة إلى الجذور التقليدية للعمال. فهي ابنة بيئة فقيرة، تركت المدرسة في سن مبكرة، وعملت في رعاية المسنين قبل أن تصعد عبر العمل النقابي إلى قمة السياسة البريطانية.
هذه السيرة تمنحها حضورا شعبيا يصعب تجاهله داخل قواعد الحزب، خصوصا في وقت يشعر فيه كثير من الناخبين بأن قيادة ستارمر أصبحت بعيدة عن المزاج الشعبي التقليدي للعمال.
هل بدأ العد التنازلي؟
رغم العاصفة السياسية المتصاعدة، لا يزال كير ستارمر يرفض الحديث عن الاستقالة، ويتمسك بقيادة الحكومة والحزب. لكن داخل أروقة وستمنستر، تبدو القناعة آخذة في التوسع بأن معركة الخلافة لم تعد مجرد احتمال بعيد. فإذا استمرت شعبية حزب العمال البريطاني في التراجع، وإذا تصاعدت الضغوط داخل الكتلة البرلمانية، فقد يجد ستارمر نفسه أمام تمرد داخلي يصعب احتواؤه.
وأصبح المشهد السياسي في بريطانيا مفتوحا على كافة الاحتمالات، إذ جاءت حكومة بأغلبية تاريخية، لكنها تبدو اليوم وكأنها تدخل مبكرا مرحلة صراع الورثة. والسؤال الذي يسيطر على السياسة البريطانية الآن ليس ما إذا كان ستارمر سيرحل، بل من سيكون أول من يمد يده لخلافته، وكان وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي قد نفى، الاثنين، صحة التكهنات المتداولة بشأن قرب رحيل رئيس الوزراء كير ستارمر، مؤكدا أن الأخير لا يعتزم وضع أي جدول زمني لمغادرة منصبه.