تصدعات في جدار الإدارة.. شبكة مصالح تربط مسؤولين حول ترامب بشركات الطاقة والصين
في الوقت الذي تنشغل فيه واشنطن بالحرب التجارية مع الصين ومعارك الرسوم الجمركية، تتكشف داخل الإدارة الأمريكية قصة أكثر حساسية تتعلق بتشابك المال مع السلطة. فوثائق الإفصاح المالي الرسمية كشفت عن شبكة واسعة من العلاقات الاستثمارية التي تربط مسؤولين بارزين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشركات وصناعات تقع تحت إشرافهم المباشر أو تتأثر بقراراتهم الحكومية، وفقا لصحيفة بروريبابليكا.
واعتمدت التحقيقات التي نشرتها الصحيفة الاستقصائية الأمريكية على أكثر من ثلاثة آلاف ومئتي سجل إفصاح مالي تخص ما يزيد على ألف وخمسمئة مسؤول عيّنهم ترامب. الوثائق أظهرت أن عددًا من كبار المسؤولين ما زالوا يحتفظون بعلاقات مالية أو استثمارية مع قطاعات يفترض أنهم ينظمونها أو يراقبونها، وسط اتهامات بتفكيك منظومة الضوابط الأخلاقية داخل الحكومة الأمريكية.
وتتعلق أبرز الأمثلة بنائب وزير الدفاع، وهو ملياردير أسس شركة استثمارية عملاقة في تسعينيات القرن الماضي. ورغم تعهده بالتخلي عن حصته في الشركة بعد دخوله الإدارة، كشفت التقارير أنه طلب تمديدًا يسمح له بالإبقاء على العلاقة المالية مع الشركة دون موعد نهائي واضح لإنهائها.
وتصاعد الجدل بعدما تبين أن أربع شركات على الأقل حصلت على عقود مرتبطة بمشروع "القبة الذهبية" الدفاعي الأمريكي تعود ملكيتها إلى الشركة الاستثمارية نفسها المرتبطة بالمسؤول. ويرى منتقدون أن هذا التشابك يفتح الباب أمام تضارب مصالح غير مسبوق داخل وزارة الدفاع، خصوصًا مع ضخامة العقود العسكرية المرتبطة بالمشروع.
لكن القضية لا تتوقف عند الصناعات الدفاعية فقط، بل تمتد إلى الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين. ففي مكتب الممثل التجاري الأمريكي، المسؤول عن إدارة ملف الرسوم الجمركية والسياسات التجارية، كشفت الوثائق أن مسؤولين كبارًا احتفظوا بسرية أسماء عشرات العملاء السابقين الذين كانوا يمثلونهم عندما عملوا في شركات محاماة نافذة.
أحد كبار المسؤولين يخفي أسماء أكثر من خمسين عميلًا سابقًا
وأخفى أحد كبار المسؤولين أسماء أكثر من خمسين عميلًا سابقًا، بينما امتنع مستشار آخر عن الكشف عن شركات عمل معها في قضايا تتعلق بالإعفاءات الجمركية والتحقيقات المرتبطة بالاستيراد. وتزداد حساسية هذه المعلومات لأن هؤلاء المسؤولين يديرون حاليًا ملفات التجارة مع الصين في مرحلة تعتبر من أكثر الفترات توترًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وفي الجانب المالي، كشفت الإفصاحات الأخيرة أن ترامب أو مستشاريه الاستثماريين نفذوا أكثر من ثلاثة آلاف وسبعمئة صفقة مالية خلال الربع الأول من عام ٢٠٢٦، بمعدل تجاوز أربعين صفقة يوميًا. وشملت العمليات أسهمًا في شركات كبرى ترتبط أعمالها مباشرة بقرارات الحكومة الأمريكية، من بينها شركة "إنفيديا" المتخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي التي تخضع صادراتها إلى الصين لقيود حكومية مشددة.
ويرى خبراء أن هذا الحجم من التداولات يثير تساؤلات حول قدرة الإدارة على الفصل بين المصالح الاستثمارية الخاصة والقرارات السياسية، خصوصًا في ظل الصراع التكنولوجي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، وفقا لموقع بيزنس ستاندرد.
الصورة الأشمل تكشف أن ترامب لم يضع أصوله في صندوق استئمان أعمى كما فعل رؤساء أمريكيون سابقون، بل بقيت إمبراطوريته التجارية تحت إدارة أفراد عائلته، بينما واصل مقربون منه إدارة استثمارات ضخمة بالتزامن مع مشاركتهم في ملفات سياسية ودبلوماسية حساسة.
في المقابل، دافع البيت الأبيض عن الإدارة مؤكدًا أن ترامب "يتصرف دائمًا بما يخدم مصلحة الشعب الأمريكي"، نافيًا وجود أي تضارب مصالح. لكن خبراء الأخلاقيات الحكومية يعتبرون أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال وجود مخالفات، بل في تفكيك أدوات الرقابة نفسها، وفقا لصحيفة ذا هيل، ومقرها واشنطن.
فمع عودته إلى البيت الأبيض، ألغى ترامب قرارات كانت تلزم المسؤولين بالابتعاد عن الملفات المرتبطة بعملائهم السابقين، كما جرى إقصاء عدد كبير من المفتشين العموميين وإبعاد رئيس مكتب أخلاقيات الحكومة الأمريكية. ويرى منتقدو إدارة ترامب أن هذه الخطوات أضعفت منظومة الرقابة الداخلية في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول العلاقة بين السلطة والثروة داخل الإدارة الأمريكية.
