الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 الموافق 16 جمادى الأولى 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

الدولار يستقر عند معدلاته المرتفعة.. خبير اقتصادي: الأيام المقبلة ستشهد زيادة جديدة| عاجل

أرشيفية
أرشيفية

استقر سعر صرف الدولار اليوم عند المستويات المرتفعة نفسها التي سجلها أمس، عند 56.25 و56.35 جنيه للشراء والبيع على التوالي.

وقال الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، في تصريحات خاصة، إن التحركات الأخيرة لسعر الدولار أمام الجنيه المصري ووصوله إلى مستوى 56 جنيهًا تقريبًا، يجب قراءتها في إطار نظام سعر الصرف المرن، الذي يسمح للعملة بالتحرك صعودًا وهبوطًا وفق قوى العرض والطلب والتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، وليس باعتبار كل تحرك صعودي مؤشرًا على وجود أزمة في النقد الأجنبي، وقد تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا في بعض البنوك خلال تعاملات أمس، بعد أن كان قد تخطى حاجز 55 جنيهًا خلال الأسبوع الماضي.

وأضاف غنيم أن حركة الدولار خلال الأيام الأخيرة تعكس تفاعل مجموعة من العوامل في وقت واحد، من بينها زيادة الطلب الموسمي لبعض الشركات والمستوردين على العملة الأجنبية، وتحركات استثمارات المحافظ المالية، وقوة الدولار عالميًا، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين التي تفرضها التطورات الجيوسياسية في المنطقة. ولذلك، فإن تفسير حركة سعر الصرف من خلال عامل واحد فقط لا يقدم صورة دقيقة لطبيعة السوق.

وأوضح غنيم أن ما نشهده يمثل، في جانب مهم منه، التطبيق العملي لمرونة سعر الصرف؛ فالعملة المرنة لا تتحرك في اتجاه واحد ولا تستقر عند رقم تحدده السلطات مسبقًا، وإنما يرتفع سعر الدولار عندما يزيد الطلب عليه مقارنة بالمعروض، ويمكن أن يتراجع مرة أخرى عندما تتحسن التدفقات الدولارية، وبالتالي، فإن التذبذب نفسه أصبح جزءًا طبيعيًا من آلية تحقيق التوازن في سوق النقد الأجنبي.

تحول جوهري في إدارة سوق الصرف المصرية

وتابع غنيم أن هذه السياسة تمثل تحولًا جوهريًا في إدارة سوق الصرف المصرية، لأنها تقلل الحاجة إلى استخدام الاحتياطيات الدولية للدفاع عن مستوى محدد للعملة، وتسمح لسعر الصرف بامتصاص جزء من الصدمات الخارجية. وهذا هو المعنى الاقتصادي لفكرة أن سعر الصرف المرن يمثل خط الدفاع الأول أمام الصدمات، بينما تبقى الاحتياطيات الدولية عنصر أمان استراتيجيًا للاقتصاد.

وأشار غنيم إلى أن محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، عبّر بوضوح عن هذه الفلسفة، مؤكدًا أهمية توحيد سوق الصرف وترك السعر يتفاعل مع قوى السوق بدلًا من استهداف رقم محدد للدولار. وأضاف: «أرى أن السياسة التي يتبعها البنك المركزي في هذا الملف تستحق الإشادة، لأنها ساعدت على إنهاء الاختلالات السابقة في سوق النقد الأجنبي وإعادة الجزء الأكبر من التعاملات إلى الجهاز المصرفي الرسمي».

وأضاف غنيم أن ارتفاع الدولار خلال الفترة الحالية يأتي أيضًا في بيئة عالمية وإقليمية شديدة التعقيد، حيث أدت الحرب والاضطرابات في المنطقة إلى ارتفاع مخاطر الطاقة والشحن والتأمين والتجارة الدولية. ومصر جزء من الاقتصاد العالمي وتتأثر بهذه المتغيرات، خاصة عندما تؤدي أسعار النفط والغاز المرتفعة إلى زيادة تكلفة استيراد الطاقة والسلع والمواد الخام.

أسعار الطاقة عالميًا مساهم قوي في الزيادة

وأوضح غنيم أن أسعار الطاقة المرتفعة تؤثر في سوق الصرف من أكثر من اتجاه؛ فهي تزيد قيمة بعض الواردات وتدفع الشركات إلى طلب مزيد من العملة الأجنبية، كما ترفع تكلفة النقل والشحن والتأمين ومدخلات الإنتاج. ولذلك، فإن جزءًا من الضغوط الحالية يرتبط بصدمة عالمية لا تخص الاقتصاد المصري وحده، وإنما تواجهها اقتصادات عديدة مستوردة للطاقة.

الأموال الساخنة تضغط

وتابع غنيم أن هناك عاملًا آخر يتمثل في حركة استثمارات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين والأسهم، وهي أموال تتحرك بطبيعتها بسرعة أكبر من الاستثمار المباشر وتتفاعل مع الأخبار الجيوسياسية وأسعار الفائدة والمخاطر العالمية. وعندما يقرر جزء من المستثمرين تقليص مراكزه في سوق محلية، فإنه يحول حصيلة استثماراته إلى الدولار، فيرتفع الطلب على العملة الأجنبية مؤقتًا وينعكس ذلك مباشرة على سعر الصرف.

وأشار غنيم إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة رفعت درجة الحذر في الأسواق المصرية خلال الجلسات الأخيرة، كما حدثت تحركات في البورصة واستثمارات المحافظ. وأضاف: «لا أرى أنه من المنهجي اختزال حركة الدولار في خبر سياسي واحد؛ لأن سوق الصرف تتفاعل مع مجموعة واسعة من العوامل تشمل التدفقات الداخلة والخارجة، وأسعار الطاقة، وقوة الدولار عالميًا، واحتياجات الشركات والاستيراد، وتوقعات المستثمرين».

احتياطي أمان

وأضاف غنيم أن أهم ما يميز الوضع الحالي عن فترات سابقة هو أن تحرك سعر الدولار يحدث بينما يمتلك البنك المركزي مستوى قياسيًا من الاحتياطيات الدولية؛ فقد بلغ صافي الاحتياطيات نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وهو أعلى مستوى تاريخي تقريبًا، مقارنة بنحو 49.5 مليار دولار في سبتمبر 2025. وهذا التحسن يمثل خط دفاع قويًا أمام الصدمات الخارجية.

وأوضح غنيم أن مكونات الاحتياطي نفسها تعكس تحسنًا مهمًا؛ فقد بلغت حيازات العملات الأجنبية نحو 39.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر، بينما وصلت قيمة الذهب ضمن الاحتياطي إلى نحو 17.5 مليار دولار، وبالتالي، فإن البنك المركزي يدخل المرحلة الحالية بقاعدة احتياطيات أكبر وأكثر قدرة على دعم الالتزامات الخارجية للدولة والاقتصاد.

وتابع غنيم أن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي يقدم مؤشرًا آخر بالغ الأهمية؛ فقد وصل إلى نحو 31.2 مليار دولار في أغسطس 2026، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2020، منها نحو 12.4 مليار دولار للبنوك التجارية و18.8 مليار دولار للبنك المركزي. وهذا التحول يعكس تحسنًا واضحًا في صافي المركز الخارجي للجهاز المصرفي.

وأشار غنيم إلى أن هذه الأرقام تفسر لماذا لا ينبغي الخلط بين ارتفاع الدولار في يوم معين وبين وجود نقص هيكلي في موارد النقد الأجنبي؛ فسعر الصرف يعكس التوازن اللحظي بين العرض والطلب، بينما تقيس الاحتياطيات وصافي الأصول الأجنبية قدرة الاقتصاد والجهاز المصرفي على مواجهة الالتزامات الخارجية والصدمات على مدى أطول.

تحويلات المصريين بالخارج الداعم الأكبر لتدفقات الدولار إلى الداخل

وأضاف غنيم أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج أصبحت بدورها أحد أهم مصادر القوة في سوق النقد الأجنبي؛ فقد ارتفعت خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2026 إلى مستوى قياسي بلغ نحو 33.9 مليار دولار، وهذا التحسن الكبير يؤكد أن توحيد سوق الصرف وعودة التعاملات إلى الجهاز المصرفي أسهما في زيادة التدفقات الرسمية للعملة الأجنبية.

وأوضح غنيم أن ميزان المدفوعات يقدم صورة مهمة أيضًا؛ فقد سجل الاقتصاد المصري فائضًا كليًا بلغ نحو 2.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، كما حققت المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفقات إلى الداخل بلغ نحو 23.2 مليار دولار. وهذه مؤشرات مهمة لأنها تعني أن الاقتصاد استطاع تحقيق فائض إجمالي في معاملاته الخارجية رغم الظروف الجيوسياسية وارتفاع تكلفة الطاقة واضطراب التجارة العالمية.

وتابع غنيم أن هذه التطورات تعكس أحد أهم مكاسب تحرير سعر الصرف، وهو أن السوق أصبحت أكثر قدرة على تصحيح نفسها دون تراكم اختلالات كبيرة؛ فعندما يحدث خروج لرؤوس الأموال، يظهر أثره في السعر، وعندما تعود التدفقات، يمكن للجنيه أن يتحسن، وهذه الآلية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من تثبيت السعر لفترات طويلة بعيدًا عن ظروف العرض والطلب.

وأشار غنيم إلى أن التأثير المتوقع لتحرك الدولار على التضخم موجود بطبيعة الحال، لكنه ليس ميكانيكيًا، ولا يعني أن ارتفاع العملة الأمريكية بنسبة معينة يؤدي إلى ارتفاع جميع الأسعار بالنسبة نفسها. 

ويعتمد انتقال سعر الصرف إلى الأسعار على حجم المكون المستورد في السلعة، والمخزون المتاح، وأسعار الطاقة والشحن، والمنافسة في السوق، وقدرة المنتج أو التاجر على استيعاب جزء من زيادة التكلفة.

وأضاف غنيم أن أحدث بيانات التضخم توفر نقطة بداية أفضل نسبيًا لمواجهة هذه الضغوط؛ فقد تراجع معدل التضخم السنوي العام في المدن إلى 13.9% في سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، كما انخفض التضخم الأساسي إلى 14.1%، مقابل 14.9%. ولذلك، فإن العامل الحاسم خلال الفترة المقبلة سيكون مدى استمرار صدمة الطاقة والتوترات الإقليمية، وليس حركة سعر الصرف وحدها.

وأوضح غنيم أن السياسة النقدية ستظل مرتبطة بالدرجة الأولى بمسار التضخم وتوقعاته؛ فإذا كانت تحركات الدولار والطاقة مؤقتة واستمر الاتجاه العام للتضخم نحو الانخفاض، فستظل هناك مساحة لاستكمال دورة التيسير النقدي تدريجيًا عندما تسمح الظروف. أما إذا أدت الصدمات الخارجية إلى موجة تضخمية جديدة، فمن الطبيعي أن يتحرك البنك المركزي بدرجة أكبر من الحذر، حفاظًا على استقرار الأسعار والقوة الشرائية للمواطن.

وقال غنيم، مؤكدًا أن وصول الدولار إلى مستويات تقترب من 56 جنيهًا يمثل تطورًا يستحق المتابعة، إنه يجب ألا يُقرأ بمعزل عن الصورة الكاملة للاقتصاد؛ فالاحتياطي الدولي عند مستوى تاريخي يبلغ 57.35 مليار دولار، وصافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي بلغ 31.2 مليار دولار، وتحويلات المصريين سجلت 33.9 مليار دولار خلال ثمانية أشهر، وميزان المدفوعات حقق فائضًا كليًا قدره 2.8 مليار دولار. وأضاف غنيم أن الإدارة التي يقودها البنك المركزي برئاسة حسن عبد الله نجحت في بناء سوق صرف أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات.

استمرار الارتفاع

وقال غنيم إن السيناريو الأكثر واقعية خلال المرحلة المقبلة هو استمرار تحرك الجنيه والدولار في الاتجاهين وفق العرض والطلب وأسعار الطاقة والتطورات الإقليمية وتدفقات الاستثمار، بدلًا من افتراض مسار أحادي الاتجاه أو استهداف رقم ثابت لسعر العملة.