الجمعة 09 أكتوبر 2026 الموافق 28 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

«11.3 مليار دولار تجارة و3366 شركة صينية».. تصاعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا يضع بكين أمام اختبار صعب

أرشيفية
أرشيفية

يضع تصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا الصين أمام اختبار دبلوماسي واقتصادي معقد، في ظل تشابك مصالح بكين مع البلدين، وارتباط استثماراتها وشراكاتها في المنطقة باستقرار حوض النيل والقرن الأفريقي وممرات البحر الأحمر.

وبحسب تحليل للكاتبة جويس كرم نشرته صحيفة «المونيتور» الأمريكية، فإن تجدد الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا يمثل معضلة متزايدة أمام بكين، التي عملت خلال السنوات الماضية على توسيع حضورها في البلدين عبر مشروعات البنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا، بما جعل الحفاظ على علاقاتها مع الطرفين أولوية استراتيجية.

وتشير كرم إلى أن الصين تجد نفسها أمام ضرورة حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في مصر وإثيوبيا، من دون الانحياز بشكل مباشر إلى أي من الطرفين، في وقت تتسع فيه الخلافات حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر وأمن منطقة القرن الأفريقي.

طرد الدبلوماسيين يعيد الخلافات إلى الواجهة

تصاعدت الأزمة الأسبوع الماضي بعدما طردت إثيوبيا دبلوماسيا مصريا، فردت القاهرة بإعلان أحد مستشاري السفارة الإثيوبية شخصا غير مرغوب فيه. 

وجاءت الخطوتان وسط اتهامات إثيوبية دون أدلة لمصر وإريتريا والسودان بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيجراي، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث.

وفي 4 أكتوبر، استضافت مصر قمة رباعية جمعت قادة مصر وإريتريا والسودان والصومال. وشدد المشاركون على احترام السيادة ووحدة الأراضي، وأكدوا أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه بالدرجة الأولى، مع رفض الإجراءات الأحادية التي تمس الحقوق المائية القائمة لدول المصب.

ويتمحور الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تعتبره أديس أبابا أساسا لتوليد الكهرباء ودعم التنمية، بينما تخشى القاهرة أن يؤدي تشغيله بصورة أحادية، خصوصا خلال فترات الجفاف، إلى تهديد إمدادات المياه في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على نهر النيل.

مصالح صينية واسعة في مصر وإثيوبيا

تمنح العلاقات الاقتصادية القاهرة ثقلا كبيرا في الحسابات الصينية، فقد توسعت الشركات الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب نمو التعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.

وبحسب "المونيتور"، قال مسؤولون مصريون في سبتمبر إن 3366 شركة صينية تعمل في مصر بقطاعات تشمل المنسوجات والطاقة الشمسية والكيماويات والسيارات والخدمات اللوجستية، وبلغت التجارة الثنائية 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة 21.5% على أساس سنوي.

وخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في سبتمبر الماضي، تعهد البلدان بتعميق التعاون في البنية التحتية والطاقة والتصنيع والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والاقتصاد الرقمي.

وفي المقابل، رسخت بكين وجودها في إثيوبيا عبر مشروعات النقل والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية، وشيدت شركات صينية خط السكك الحديدية الذي يربط أديس أبابا بجيبوتي، بطول 752 كيلومترا، إلى جانب طريق أديس أبابا-أداما السريع ومشروعات بنية تحتية أخرى.

كما تتنافس شركات صينية حكومية على عقود مشروع مطار بيشوفو الدولي الجديد، الذي تبلغ تكلفته 12.5 مليار دولار، وفقًا لما أوردته وكالة "رويترز". 

وتؤكد هذه المشروعات أن إثيوبيا تمثل شريكا اقتصاديا مهما لا تستطيع بكين تجاهل مصالحه.

تقارب بكين مع القاهرة يثير حساسية أديس أبابا

خلال زيارة شي جين بينج، اقترب البيان الصيني المصري المشترك من المبادئ التي تستند إليها القاهرة في خلافها المائي مع إثيوبيا، فقد وصف النيل بأنه شريان الحياة الأساسي لمصر، وأكد حقها في حماية أمنها المائي والغذائي، ودعا دول حوض النيل إلى احترام القانون الدولي ومبدأ عدم إلحاق الضرر بالدول الأخرى.

ولم يسم البيان إثيوبيا أو يعارض سد النهضة مباشرة، لكنه دعم مبادئ تستخدمها مصر للمطالبة بقواعد ملزمة تحكم تشغيل السد.

وأكد البلدان كذلك أن أمن البحر الأحمر وإدارته ينبغي أن يكونا مسؤولية الدول المطلة عليه بالدرجة الأولى، وهي رؤية تكتسب حساسية خاصة مع سعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى ضمان الوصول إلى البحر.

وبذلك تواجه بكين ضرورة الحفاظ على شراكتها مع القاهرة دون إضعاف علاقاتها بأديس أبابا، خصوصا أن أي انحياز معلن قد يضر بمصالحها لدى الطرف الآخر.

تيجراي والممرات التجارية تحت الضغط

تمتد المخاطر إلى ما وراء الدبلوماسية. فعودة القتال في شمال إثيوبيا قد تزعزع استقرار تيجراي والمناطق المجاورة، وتزيد احتمالات امتداد الاضطرابات إلى دول أخرى. 

وكانت الصين قد أجلت مئات من مواطنيها العاملين في مشروعات بالمنطقة خلال الصراع الذي اندلع عام 2020.

ويعتمد جزء أساسي من استراتيجية الحزام والطريق الصينية في القرن الأفريقي على ربط المراكز الصناعية الإثيوبية بموانئ جيبوتي، ومنها إلى طرق الشحن في البحر الأحمر وقناة السويس، وقد يؤدي اتساع الاضطرابات إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف النقل والتأمين وزيادة مخاطر الاستثمارات.

ونقلت "المونيتور" عن كاميرون هدسون، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، أن الخلافات بين شركاء الصين تخلق بيئة صعبة للعمل، لأن بكين تحتاج إلى الاستقرار لحماية مصالحها. 

ويرجح هدسون أن الصين قد تفضل الانتظار حتى تهدأ التوترات، مع ترك جانب كبير من جهود الوساطة لواشنطن، رغم أن الولايات المتحدة لا تؤدي حاليا دورا نشطا في تسوية الأزمة.

وتكشف هذه التطورات أن اتساع النفوذ الاقتصادي الصيني لا يحميه من الاضطرابات الإقليمية؛ فكلما زادت استثمارات بكين في مصر وإثيوبيا، ارتفعت كلفة التصعيد على مصالحها. 

ويظل احتواء الخلافات بين البلدين عاملا مهما لاستقرار المنطقة وحماية الممرات التجارية التي تربط النيل بالبحر الأحمر.