الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 الموافق 11 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

«المرونة وحدها لا تكفي».. صندوق النقد يكشف ما يحتاجه الاقتصاد المصري لتحقيق نمو أقوى

أرشيفية
أرشيفية

نشر صندوق النقد الدولي مقالًا بعنوان «المرونة في ظل الضغوط: الاقتصاد المصري يتحدى التوقعات»، أعده أمين ماتي، رئيس بعثة الصندوق إلى مصر ومساعد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بالاشتراك مع يفجينيا كورنينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى بالإدارة نفسها.

وخلص المقال إلى أن مجموعة من العوامل، في مقدمتها سرعة الاستجابة السياسية، وقوة الحواجز الاقتصادية الكلية، ومرونة سعر الصرف، ساعدت مصر على امتصاص تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الحفاظ على هذا الصمود يتطلب تنفيذ إصلاحات أكثر حسمًا للحد من مواطن الضعف وإطلاق نمو أقوى بقيادة القطاع الخاص.

مصر في موقع اقتصادي أقوى أمام الصدمات

وأوضح كاتبا المقال أن مصر دخلت أحدث موجة من الصراع الإقليمي وهي في وضع اقتصادي كلي أقوى مقارنة بمراحل الضغوط الخارجية السابقة.

وأشار المقال إلى أن الإصلاحات التي نُفذت في إطار برنامج الصندوق أسهمت في دعم النمو، ووضع التضخم على مسار هابط، والمساعدة في إعادة بناء الاحتياطيات الدولية، إلى جانب تحسين مراكز البنوك من حيث السيولة بالعملة الأجنبية.

وأضاف أن هذه الحواجز الاقتصادية الأقوى، إلى جانب سرعة الاستجابة السياسية، مكّنت مصر من امتصاص واحدة من أكبر الصدمات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، وفقًا لما فصّله الاستعراض السابع بموجب تسهيل الصندوق الممدد، والاستعراض الثاني بموجب تسهيل القدرة على الصمود والاستدامة.

نمو يتجاوز 5% رغم تداعيات الصدمة

ورغم الصدمة المالية، لم تدخل مصر في تباطؤ اقتصادي واسع، إذ ظل النمو قويًا وبلغ 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026.

ولفت المقال إلى استمرار صمود قطاع السياحة، ووصول تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستويات قياسية، إلى جانب مواصلة التعافي التدريجي لإيرادات قناة السويس بعد اضطراب مؤقت على خلفية الاضطرابات الإقليمية.

كما أشار إلى احتواء الضغوط المالية من خلال تعبئة الإيرادات وضبط الإنفاق.

التضخم ارتفع بأقل من المتوقع

وأوضح صندوق النقد أن التضخم ارتفع نتيجة انخفاض قيمة العملة وتعديل أسعار الطاقة، إلا أن الزيادة جاءت أقل حدة مما كان متوقعًا، رغم تأجيل مسار عودة التضخم إلى مستهدفه لمدة عام كامل.

وأشار المقال إلى أن الاحتياطيات الدولية ظلت أعلى من المستويات الملائمة بفارق مريح، رغم التدفقات الأولية لرؤوس الأموال إلى الخارج، معتبرًا أن ذلك يعكس أهمية مرونة سعر الصرف في امتصاص الضغوط الخارجية، وهو ما يمثل فارقًا جوهريًا مقارنة بحلقات الضغط السابقة.

المرونة وحدها لا تكفي

وفي المقابل، حذّر صندوق النقد من أن الصدمة الأخيرة، رغم إظهارها تحسن قدرة الاقتصاد المصري على الصمود، كشفت استمرار عدد من مواطن الضعف.

وأوضح أن الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية لا تزال مرتفعة، بينما يعتمد التمويل بدرجة كبيرة على آجال استحقاق قصيرة، في الوقت الذي لا يزال فيه انكشاف البنوك على الحكومة مرتفعًا.

وتوقع الصندوق أن تظل احتياجات التمويل الإجمالية عند نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى أقل من 30% بحلول عام 2030.

كما أشار إلى أن حضور الدولة في الاقتصاد لا يزال مرتفعًا، مؤكدًا أن معالجة هذه التحديات تمثل جزءًا أساسيًا من أجندة الإصلاح خلال المرحلة المقبلة.

تباطؤ متوقع للنمو إلى 4.4% العام المقبل

وتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ معدل النمو الاقتصادي إلى 4.4% خلال السنة المالية 2026/2027، مع انعكاس الآثار المتأخرة للصراع الإقليمي على الاستثمار وتكاليف المدخلات والنشاط الاقتصادي.

وجاء هذا التوقع في بيان منفصل للصندوق، أوضح أن السلطات المصرية تحركت بسرعة في مواجهة تداعيات الصدمة الإقليمية.

3 أولويات للحفاظ على الاستقرار

وشدد معدّا المقال على أهمية البناء على التقدم الذي تحقق من خلال الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، عبر استمرار مرونة سعر الصرف، وتطبيق سياسة نقدية مشددة بالقدر المناسب، إلى جانب تبني سياسة مالية تتسم بالحصافة.

ودعا المقال في الوقت نفسه إلى تسريع الإصلاحات التي تستهدف مواطن الضعف المتبقية، موضحًا أن خفض الدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة يتطلب إدارة أقوى للدين، والتحول نحو مصادر تمويل أطول أجلًا وأكثر اعتمادًا على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتعميق أسواق الدين المحلية.

ومن شأن هذه الإجراءات، وفقًا للمقال، الحد من مخاطر إعادة التمويل وتعزيز استدامة الدين العام.

الإصلاحات الهيكلية.. المحك الأهم

واعتبر صندوق النقد أن التنفيذ الأكثر حسمًا لسياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج، إلى جانب تعزيز حوكمة الشركات المملوكة للدولة وزيادة المنافسة، يمثل عاملًا رئيسيًا للحد من حضور الدولة في الاقتصاد وتهيئة الظروف أمام نمو أقوى يقوده القطاع الخاص.

وتقدم قراءة صندوق النقد صورة تجمع بين رصد التحسن والتحذير من استمرار التحديات؛ إذ يرى أن مصر أظهرت قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية بفضل الإصلاحات السابقة ومرونة سعر الصرف، إلا أن هذا الصمود لا يمثل بديلًا عن استكمال الإصلاحات الهيكلية.

وفي ظل استمرار ارتفاع الدين واحتياجات التمويل، يظل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي مرتبطًا بمواصلة الإصلاحات التي تعالج مواطن الضعف وتدعم دور القطاع الخاص، بما يمهد الطريق أمام تحقيق معدلات نمو أقوى وأكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.