قبل الحادث بأسبوعين.. كيف كشفت CIA خيط «مختار» المرتبط بالعقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر؟
في سلسلة يومية توثق الطريق إلى هجمات 11 سبتمبر يومًا بيوم، بالتزامن مع مرور 25 عامًا على الهجمات، كشف الصحفي ويليام إم. أركين، في تقرير تحليلي نشرته مجلة «نيوزويك»، تفاصيل جديدة حول معلومات استخباراتية كانت بحوزة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) قبل وقوع الهجمات.
وأوضح أركين أن مركز مكافحة الإرهاب التابع لوكالة المخابرات المركزية تلقى في مثل هذا اليوم من عام 2001، أي قبل أسبوعين تحديدًا من وقوع هجمات 11 سبتمبر، تقريرًا استخباراتيًا من الميدان، أفاد بأن لقب «مختار» كان مرتبطًا بشخص يدعى خالد شيخ محمد.
وأشار التقرير إلى أن الاسم المستعار «مختار» كان قد ظهر في تقارير استخباراتية للوكالة خلال ربيع العام نفسه، حيث تضمن أكثر من تقرير معلومات تفيد بأن شخصًا يحمل هذا اللقب كان يشارك في تجنيد وتدريب إرهابيين بهدف تنفيذ هجمات داخل الولايات المتحدة.
لكن رغم توفر هذه المعلومة مبكرًا، كانت وكالتا المخابرات المركزية والتحقيقات الفيدرالية في تلك الفترة منشغلتين بوضع خالد المحضار على قائمة المراقبة ومحاولة فهم تحركات زكريا موساوي، إضافة إلى افتراضهما أن العقل المدبر الفعلي لمخططات عام 2001 هو أبو زبيدة، لا خالد شيخ محمد.
جذور الفشل تعود إلى تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993
ولم يكن خالد شيخ محمد وجهًا مجهولًا لدى الأجهزة الأمريكية؛ فالصور المرافقة لتقرير "نيوزويك" توثق مشهد رجال الإطفاء وفرق الإنقاذ وهم يعملون خارج مركز التجارة العالمي في السادس والعشرين من فبراير عام 1993، بعدما اجتاح الدخان المبنى المكون من 110 طوابق إثر انهيار سقف محطة قطار داخله، في انفجار أشعل حريقًا أسفل البرجين التوأمين.
وهذا الحادث، المرتبط بشبكة خالد شيخ محمد نفسها كما تكشف "نيوزويك"، يعزز حجم المفارقة التي توثقها السلسلة: فالشخص الذي بات لاحقًا العقل المدبر لأكبر هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية، كان متورطًا فعليًا في هجوم سابق على الموقع نفسه قبل الهجمات الكبرى بثماني سنوات.
فشل ذريع في الربط بين "مختار" و"خالد شيخ محمد"
لم يكتشف مجتمع الاستخبارات الأمريكي أن خالد شيخ محمد، المعروف اختصارًا بـ"كي إس إم"، هو نفسه العقل المدبر لعمليات الطائرات إلا بعد اعتقال قيادات رفيعة في تنظيم القاعدة عام 2002، أي بعد وقوع الهجمات بأكثر من عام كامل.
والمفارقة الأكثر إيلامًا، بحسب "نيوزويك"، أن الشخص نفسه الذي زعم مجتمع الاستخبارات أنه "لم يسمع به من قبل" كان قد صدرت بحقه لائحة اتهام فعلية عام 1996 من قبل المدعي العام الأمريكي لمنطقة نيويورك الجنوبية، لتورطه في تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 وفي مخطط لاختطاف طائرات واستخدامها كأسلحة، بل إن خالد شيخ محمد كان مدرجًا فعليًا على قائمة المراقبة، وتعرض لمحاولة خطف فاشلة نفذتها عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية، قبل أن يبدو أن الجهازين "نسيا وجوده" تمامًا ولم يتابعا ملفه.
شبكة عائلية معقدة من الإرهابيين لم يتم ربطها
تشير مجلة "نيوزويك" أيضًا إلى أن الأجهزة الاستخباراتية لم تربط بين أهمية خالد شيخ محمد وبين شبكة أقاربه المعروفين، الذين كانوا جميعًا متورطين في أنشطة إرهابية: رمزي يوسف، الذي كان محتجزًا آنذاك لدوره في تفجير مركز التجارة العالمي عام 993، إضافة إلى عبد الصمد، وعبد الكريم المعروف باسم أبو مصعب البلوشي، وعبد المنعم المعروف باسم أبو خالد البلوشي، وهاشم عبد العزيز المعروف باسم شبير، وعلي عبد العزيز علي المعروف باسم عمار البلوشي، الذي كان أحد العناصر المالية المسؤولة عن تمويل عمليات الحادي عشر من سبتمبر.
وكانت وكالة المخابرات المركزية على علم بارتباط جميع هؤلاء بتنظيم القاعدة، بل كان أبو مصعب وأبو خالد معروفين لدى الوكالة بتوليهما مهام لوجستية وإدارية للتنظيم.
ولم يتكشف الرابط الفعلي بين خالد شيخ محمد وشبكة منفذي الهجمات إلا بعد وقوعها بوقت طويل، حين توصلت الاستخبارات الألمانية إلى أن "كي إس إم"، الذي تأكد لاحقًا أنه الشخص نفسه المعروف باسم "مختار"، كان قد تواصل عبر هاتف استخدمه رمزي بن الشيبة، الذي استخدم الهاتف نفسه للتواصل مع زكريا موساوي.
"مذكرة فينيكس" وإخفاقات أخرى متعددة
توثق سلسلة "نيوزويك" أيضًا إخفاقات استخباراتية موازية شهدتها تلك الفترة، أبرزها ما عُرف بـ"مذكرة فينيكس"، وهي مذكرة كتبها عميل فطن في مكتب التحقيقات الفيدرالي في يوليو 2001، محذرًا فيها من أن رجالًا من أصول شرق أوسطية كانوا يتلقون دروسًا في الطيران داخل الولايات المتحدة.
كذلك رصدت وكالة الأمن القومي الأمريكية اعتراضات اتصالات، خاصة بها وبأجهزة استخبارات حليفة، أشارت إلى تخطيط عام وتحذيرات محددة من عمل وشيك، لكن الوكالة لم تترجم هذه الاعتراضات قبل وقوع الهجمات، إذ كانت أولوياتها منصبة على جمع "المزيد" من المعلومات بدلًا من التركيز على ما كان مطلوبًا تحديدًا.
كما تدفقت عشرات آلاف الدولارات إلى منفذي الهجمات داخل الولايات المتحدة دون أن تلاحظ وزارة الخزانة الأمريكية ذلك، رغم امتلاكها كامل الصلاحية والتفويض لرصد مثل هذه التحويلات.
المحاكمة لا تزال معلقة
يأتي هذا الكشف الاستخباراتي في وقت لا يزال فيه خالد شيخ محمد، المحتجز في معتقل جوانتانامو منذ عام 2006، ينتظر محاكمته العسكرية؛ إذ رفض قاضٍ عسكري أمريكي موعد يناير 2027 الذي اقترحه الادعاء، وحدد بدلًا منه يونيو 2028 موعدًا لبدء المحاكمة، بحسب ما ذكرته شبكة "إن بي سي نيوز"، وسيُحاكم خالد شيخ محمد إلى جانب متهمين آخرين بالتورط في التخطيط للهجمات، هم وليد بن عطاش وعلي عبد العزيز علي ومصطفى أحمد الحوساوي.





