الخميس 27 أغسطس 2026 الموافق 14 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

من هرمز وباب المندب إلى قناة السويس.. كيف أعادت السعودية رسم خريطة صادرات النفط؟

تعبيرية
تعبيرية

أعادت السعودية توجيه صادراتها النفطية للمرة الثانية خلال ستة أشهر، متجهة إلى قناة السويس المصرية بعد أن دفعتها التهديدات الأمنية إلى التخلي عن مسارين كانت تعتمد عليهما لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.

وبحسب تقرير نشرته شبكة "نيوزماكس" نقلا عن "نيويورك تايمز"، كانت المملكة تعتمد في البداية على مضيق هرمز لنقل منتجاتها النفطية، قبل أن تؤدي الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى تعطيل حركة الملاحة عبر الممر الاستراتيجي، الذي كان يمر من خلاله نحو 20% من النفط العالمي وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

ومع تعذر الاعتماد على مضيق هرمز، لجأت السعودية إلى مسار بديل عبر خط أنابيب الشرق والغرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومنه تتجه الناقلات جنوبا عبر مضيق باب المندب.

لكن هذا المسار تعرض بدوره لضغوط متزايدة بعد هجمات أعلن الحوثيون المدعومون من إيران مسؤوليتهم عنها، عقب إعلان الجماعة في يوليو فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالسعودية. ويأتي ذلك في سياق صراع طويل بين الحوثيين والتحالف الذي قادته السعودية دعما للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

قناة السويس في قلب الحسابات السعودية

تتحرك المملكة حاليا باتجاه ثالث، يتمثل في نقل النفط شمالا عبر البحر الأحمر وصولا إلى منطقة قناة السويس، مع الاستفادة من خط أنابيب سوميد المصري لتجاوز القيود المرتبطة بحجم الناقلات وقدرتها على عبور القناة مباشرة.

وتصل الناقلات المحملة بالنفط إلى محطة سوميد في العين السخنة على البحر الأحمر، حيث يتم تفريغ الخام في خط الأنابيب. وبعد ذلك يمكن نقله عبر الأنابيب إلى الساحل المصري على البحر المتوسط، حيث يجري تحميله على ناقلة أخرى، أو يمكن للناقلة الأصلية عبور قناة السويس فارغة ثم إعادة تحميل النفط في الجانب الآخر.

وتكشف بيانات شركة "كيبلر" المتخصصة في بيانات الملاحة والطاقة عن الارتفاع الكبير في استخدام هذا المسار. فقد تجاوزت كميات النفط الخام التي تحركت عبر طريق سوميد 1.9 مليون برميل يوميا في أغسطس الجاري، مقارنة بأقل من 650 ألف برميل يوميا في يونيو الماضي.

يعكس هذا التحول مدى سرعة تغير خريطة تجارة النفط العالمية تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية. فالمملكة، أحد أكبر منتجي النفط في العالم، باتت تتعامل مع شبكة من الممرات البحرية التي لم تعد تتمتع بالدرجة نفسها من الأمان والاستقرار التي كانت عليها قبل تصاعد التوترات الإقليمية.

تكلفة إضافية ووقت أطول

لكن استخدام المسار المصري ليس بدون ثمن. فالوصول إلى المشترين في الصين وكوريا الجنوبية واليابان وأسواق آسيوية أخرى قد يستغرق من أسبوعين إلى أربعة أسابيع إضافية، كما يضيف ما لا يقل عن 5 دولارات إلى تكلفة برميل النفط، وفقا للبيانات التي أوردها التقرير.

وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع في "كيبلر"، إن أمام آسيا خيارين أساسيين؛ إما البحث عن مصادر أخرى للخام أو تحمل تكلفة أعلى للحصول عليه من السعودية.

وتدفع هذه التطورات شركة أرامكو السعودية إلى البحث عن قدر أكبر من المرونة في شبكة التصدير. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، أمين الناصر، إن أرامكو تعمل على تعزيز "المرونة" عبر المسارات الثلاثة، في محاولة لتقليل اعتمادها على أي مسار واحد.

كما يبحث السعوديون، وفقا للمحللين، إمكانية زيادة قدرة خط أنابيب الشرق والغرب بنحو مليوني برميل يوميا، وهو ما قد يمنح المملكة قدرة أكبر على إعادة توزيع صادراتها إذا تعرض أحد الممرات البحرية لمزيد من الاضطرابات.

أزمة الممرات تتحول إلى أزمة عالمية

لا تقتصر تداعيات هذه التحولات على السعودية وحدها. فالنفط سلعة عالمية، وأي زيادة في المسافة أو تكلفة النقل يمكن أن تنعكس على أسعار الخام وتكاليف الشحن وهوامش المصافي وأسعار الطاقة في الاقتصادات المستوردة. وحذر الناصر من أن تقلص طرق الش

حن لن يؤثر فقط على قطاعي النفط والغاز، وإنما سيمتد إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد العالمي.

وهنا تكتسب قناة السويس وخط سوميد أهمية استراتيجية متزايدة. فكلما أصبحت مضائق هرمز وباب المندب أكثر عرضة للمخاطر، زادت قيمة المسارات التي توفر بديلا آمنا نسبيا بين الخليج والأسواق الأوروبية والآسيوية.

وبالنسبة للسعودية، لا يبدو استخدام قناة السويس مجرد تحول مؤقت في مسار ناقلات النفط، بل جزءا من إعادة حساب شاملة لشبكة تصدير الطاقة. وبعد اضطرار المملكة إلى تغيير طريقها مرتين خلال ستة أشهر، أصبح تنويع طرق الشحن بالنسبة إلى أرامكو مسألة أمن اقتصادي، لا مجرد خيار لوجستي.

فالنفط السعودي لا يزال يجد طريقه إلى الأسواق، لكن الطريق أصبح أطول وأكثر تكلفة وأكثر ارتباطا بالجغرافيا السياسية. ومع استمرار التوترات حول أهم الممرات البحرية في المنطقة، قد تصبح قدرة الدول المنتجة على امتلاك أكثر من طريق لتصدير الطاقة عاملا لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه.