الخميس 30 يوليو 2026 الموافق 16 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

أزمة الكهرباء تشعل الاضطرابات في ليبيا.. قطاع الطاقة يتحول إلى ساحة صراع جديدة

أرشيفية
أرشيفية

تحول انقطاع الكهرباء في ليبيا إلى أزمة سياسية وأمنية تضرب أحد أكثر القطاعات حساسية في البلاد، أي قطاع الطاقة، فالدولة التي تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في إفريقيا وتعد من أهم منتجي الخام في البحر المتوسط، وجدت نفسها أمام مفارقة صادمة؛ موارد نفطية ضخمة تقابلها معاناة يومية للمواطنين بسبب ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وهو ما دفع موجات الغضب الشعبي إلى الاقتراب من المنشآت النفطية والغازية التي تمثل شريان الاقتصاد الليبي، وفقًا لصحيفة ليبيا أوبزيرفر.

أزمة الطاقة أصبحت نقطة التقاء

وتكشف التطورات الأخيرة أن أزمة الطاقة أصبحت نقطة التقاء بين الاحتياجات المعيشية للمواطنين والصراع السياسي المستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. فبدلًا من أن تكون عائدات النفط أداة لبناء شبكة كهرباء مستقرة وخدمات عامة فعالة، أصبحت منشآت الطاقة نفسها هدفًا للاحتجاجات، بعدما رأى كثير من الليبيين أن استمرار الانقطاعات يعكس فشل الطبقة السياسية في إدارة ثروة البلاد. 

وفي طرابلس ومدن غربية أخرى، خرج محتجون للتعبير عن غضبهم من تدهور الخدمات، قبل أن تمتد التحركات إلى مؤسسات مرتبطة بالمؤسسة الوطنية للنفط، وفقا لصحيفة الجارديان.

من انقطاع الكهرباء إلى تهديد إنتاج النفط والغاز

الخطير في المشهد الليبي أن الاحتجاجات لم تعد تدور فقط حول فواتير الكهرباء أو ساعات الظلام داخل المنازل، بل بدأت تلامس قلب الاقتصاد الوطني، فقد شهد مجمع مليتة للنفط والغاز، وهو من أهم المنشآت التي تربط إنتاج الغاز الليبي بالاستهلاك المحلي والتصدير إلى أوروبا، اضطرابات أدت إلى تعطيل تدفقات الطاقة لفترة مؤقتة، ما أثر على تشغيل محطات توليد الكهرباء وأثار مخاوف من اتساع نطاق الأزمة.

وتكتسب منشأة مليتة أهمية استراتيجية لأنها ليست مجرد موقع إنتاج، بل عقدة تربط بين قطاع الغاز الليبي والسوق الأوروبية، خصوصًا إيطاليا عبر خطوط نقل بحرية. ولذلك فإن أي اضطراب فيها يحمل تداعيات تتجاوز الحدود الليبية، في وقت تحاول فيه أوروبا تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر محددة بعد أزمات الطاقة العالمية الأخيرة.

مفارقة بلد النفط الغارق في أزمة الكهرباء

تجسد ليبيا واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في عالم الطاقة: دولة غنية بالموارد لكنها عاجزة عن توفير خدمة كهرباء مستقرة لمواطنيها، فالنفط الذي يمثل المصدر الرئيسي للدخل القومي لم يتحول إلى بنية تحتية كهربائية قادرة على مواكبة النمو السكاني والطلب المتزايد، بينما ساهم الانقسام السياسي وضعف المؤسسات وانتشار مراكز القوة المتنافسة في تعطيل خطط الإصلاح طويلة الأمد، وفقا لصحيفة آراب ويكلي اللندنية.

ومنذ سنوات، تعاني الشبكة الكهربائية الليبية من مشكلات مرتبطة بتهالك بعض المحطات، ونقص الاستثمارات، وصعوبة تنفيذ مشاريع استراتيجية في بيئة سياسية منقسمة بين حكومات ومراكز نفوذ متنافسة. ورغم محاولات زيادة الإنتاج وتحسين الشبكة، بقيت أزمة الكهرباء واحدة من أكثر الملفات التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين وتغذي مشاعر السخط الشعبي.

الطاقة ورقة ضغط في الصراع السياسي

في ليبيا، لم تعد السيطرة على الطاقة مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت جزءًا من معادلة النفوذ السياسي، فالموانئ النفطية وحقول الخام ومنشآت الغاز لطالما ارتبطت بالتوازنات بين القوى المختلفة في الشرق والغرب، حيث تستخدم الأطراف المتنافسة أحيانًا قطاع الطاقة كورقة ضغط للحصول على مكاسب سياسية أو مالية.

ولهذا فإن اقتراب الاحتجاجات من مؤسسات الطاقة يثير مخاوف من عودة استخدام النفط والغاز كسلاح في الصراع الداخلي، وهو سيناريو سبق أن شهدته ليبيا خلال السنوات الماضية عندما أدت الإغلاقات والاضطرابات الأمنية إلى انخفاض الإنتاج النفطي وخسائر اقتصادية كبيرة.

لماذا فشلت ليبيا في حل أزمة الكهرباء رغم ثروتها؟

يرى محللون أن المشكلة الليبية ليست في غياب الموارد، بل في ضعف الإدارة والاستقرار المؤسسي، فإصلاح قطاع الكهرباء يحتاج إلى قرارات طويلة المدى تشمل تحديث المحطات، تطوير شبكات النقل، تحسين إدارة الغاز المخصص لمحطات التوليد، وجذب استثمارات أجنبية، وهي خطوات يصعب تنفيذها في ظل استمرار الانقسام السياسي.

كما أن اعتماد ليبيا الكبير على الوقود الأحفوري يجعل قطاع الكهرباء مرتبطًا بشكل مباشر بأداء قطاع النفط والغاز. فعندما تتعرض منشآت الطاقة للاضطراب، تنتقل الأزمة سريعًا من حقول الإنتاج إلى محطات التوليد ثم إلى حياة المواطنين اليومية.

هل تتحول أزمة الكهرباء إلى بداية موجة احتجاجات أوسع؟

المشهد الحالي يحمل مؤشرات على أن أزمة الكهرباء قد تصبح عنوانًا لموجة غضب اجتماعي أوسع، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف واعتماد المواطنين بشكل كبير على أجهزة التكييف. فالفشل في توفير خدمة أساسية مثل الكهرباء يضرب العلاقة بين الدولة والمواطن في جوهرها، ويجعل أي أزمة اقتصادية أو سياسية قابلة للتحول إلى احتجاجات واسعة.