العطش يهدد الخرطوم.. كيف حاصرت الحرب وأزمة المياه مدينة التقاء النهرين؟
رصدت صحيفة الإندبندنت البريطانية، مفارقة مؤلمة تعيشها العاصمة السودانية؛ فمدينة النيلين اليوم تبحث عن الماء، ولطالما ارتبط اسم الخرطوم بمشهد التقاء النيلين الأبيض والأزرق، لكنها تعيش اليوم واحدة من أكثر مفارقاتها قسوة.
فبينما يتدفق أحد أطول أنهار العالم عبر قلب المدينة، يجد ملايين السكان أنفسهم في مواجهة أزمة عطش متفاقمة، أجبرتهم على البحث عن المياه من الآبار والصهاريج والمصادر البديلة، ولم تعد الأزمة مجرد انقطاع مؤقت للخدمة، بل تحولت إلى اختبار يومي لقدرة السكان على الصمود وسط ظروف إنسانية معقدة، في ظل حرب دخلت عامها الرابع وأدت إلى انهيار واسع في الخدمات الأساسية.
الحرب... المتهم الأول
يرى خبراء الإغاثة أن الحرب هي العامل الأكثر تأثيرًا في تفاقم الأزمة، فقد تعرضت محطات المياه وشبكات الكهرباء وخطوط الضخ لأضرار جسيمة، بينما أعاقت المعارك أعمال الصيانة ووصول الوقود ومواد التنقية وقطع الغيار، وحتى عندما تتوافر المياه في النهر، تصبح عملية نقلها إلى المنازل تحديًا هندسيًا ولوجستيًا بسبب تعطل البنية التحتية.
وتؤكد تقارير دولية أن تدمير المرافق المدنية، بما فيها شبكات المياه، أصبح أحد أبرز ملامح الأزمة الإنسانية السودانية، مع ارتفاع أعداد النازحين وتراجع قدرة المؤسسات الحكومية على تشغيل الخدمات الحيوية.
تراجع النيل.. عامل ضاغط لا سبب وحيد
زاد انخفاض مناسيب النيل خلال الأسابيع الأخيرة من تعقيد المشهد، بعدما اضطرت محطات الضخ إلى تمديد خطوط السحب إلى أعماق أكبر للوصول إلى المياه.
وأشارت السلطات السودانية إلى أن تراجع التدفقات خلال فترة من يوليو ارتبط بانخفاض التصريف الوارد من سد النهضة الإثيوبي، وهو ما أعاد ملف إدارة مياه النيل إلى واجهة النقاش الإقليمي، غير أن مختصين يؤكدون أن تغير مناسيب النهر يحدث بصورة موسمية، وأن ما حوله إلى أزمة إنسانية واسعة هو تزامنه مع الحرب وتعطل البنية التحتية، وليس العامل الهيدرولوجي وحده.
العطش يفتح أبواب المخاطر الصحية
عندما تتراجع المياه النظيفة، تبدأ المخاطر الصحية في التصاعد. فقد دفعت الأزمة آلاف الأسر إلى الاعتماد على آبار غير مراقبة أو مياه منقولة بوسائل بدائية، فيما يعجز كثيرون عن غلي المياه بسبب ارتفاع أسعار الوقود أو ندرته.
وتحذر منظمات الأمم المتحدة من أن تراجع خدمات المياه والصرف الصحي يوفر بيئة مثالية لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، في وقت يعاني فيه النظام الصحي السوداني من ضغوط هائلة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن ملايين السودانيين يفتقرون أصلًا إلى مياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي مناسبة، ما يزيد احتمالات تفشي الكوليرا وأمراض الإسهال وسواها من الأوبئة.
اقتصاد الأزمة.. عندما تصبح المياه سلعة
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند الجانب الإنساني، بل امتدت إلى الاقتصاد المحلي. فقد ارتفعت أسعار المياه المنقولة بصورة كبيرة، وأصبحت الأسر تخصص جزءًا متزايدًا من دخولها المحدودة لتأمين احتياجاتها اليومية، كما أن نقص المياه ينعكس على الأنشطة التجارية والصحية والتعليمية، ويزيد من صعوبة عودة النازحين إلى منازلهم.
وتؤكد منظمات الإغاثة أن السودان يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يتداخل نقص الغذاء والمياه والخدمات مع استمرار القتال وتراجع التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية.
الأمن المائي يبدأ بوقف الحرب
تكشف أزمة الخرطوم أن الأمن المائي لم يعد قضية هندسية أو بيئية فحسب، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي. فإعادة تشغيل محطات المياه تتطلب إصلاح البنية التحتية، وتأمين الكهرباء والوقود، وضمان وصول فرق الصيانة، وهي أهداف يصعب تحقيقها في ظل استمرار العمليات العسكرية.
كما أن إدارة مياه النيل بصورة أكثر تنسيقًا بين دول الحوض ستظل عنصرًا مهمًا في الحد من الصدمات المستقبلية، لكنها لن تكون كافية وحدها ما لم تستعد الدولة قدرتها على تشغيل مؤسساتها الأساسية.
سد النهضة يعود إلى الواجهة
أعادت الأزمة الحالية ملف إدارة مياه النيل إلى دائرة النقاش من جديد، بعدما أشارت السلطات السودانية إلى أن انخفاض تدفقات المياه خلال بعض الفترات ارتبط بتراجع التصريف الوارد من سد النهضة الإثيوبي.
وبينما يرى خبراء أن التغيرات الموسمية في تدفقات الأنهار أمر متكرر، فإن تزامنها مع الحرب وتعطل البنية التحتية جعل تأثيرها أكثر حدة على السكان، وأعاد التأكيد على أهمية التنسيق الإقليمي في إدارة الموارد المائية المشتركة.





