أسعار النفط تقفز 8% مع تصاعد التوترات الأمريكية الإيرانية
في وقت كانت فيه أسواق الطاقة العالمية تستعد لاستعادة قدر من الاستقرار، وسط آمال بأن تسهم التحركات الدبلوماسية في احتواء التوترات، جاءت التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط لتقلب المشهد مجددًا وتعيد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة إلى الواجهة.
وقفز خام برنت بنحو 8% ليصل إلى قرابة 90.75 دولارًا للبرميل، مدفوعًا بتجدد القلق في الأسواق عقب تصاعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أنهى فترة من الهدوء النسبي وأضعف التوقعات بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية قريبة.
ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن التطورات الأخيرة أعادت حالة عدم اليقين إلى أسواق الطاقة، مع ارتفاع المخاوف من تداعيات أي تصعيد جديد على حركة الإمدادات العالمية وأسعار النفط خلال الفترة المقبلة.
السعودية تنضم إلى العمليات للمرة الأولى
لم يكن التصعيد العسكري وحده هو الحدث الأبرز، بل المشاركة السعودية المعلنة في العمليات العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة، ووفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي نيوز، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ووزارة الدفاع السعودية تنفيذ ضربات مشتركة استهدفت عناصر وصفتها بأنها موالية لإيران في العراق، بعد اتهامها بالتخطيط لاستهداف القوات الأمريكية ومنشآت الطاقة السعودية.
وتمثل هذه الخطوة أول مشاركة سعودية ومعلنة في العمليات التي تقودها واشنطن منذ اندلاع الأزمة. وامتدت الضربات إلى بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى، فيما أعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل 20 من عناصرها وإصابة 32 آخرين.
العراق يرفض.. والصدر يدعو إلى تجنيب البلاد الحرب
في المقابل، أدانت الرئاسة العراقية الضربات بشدة، معتبرة أنها تمثل انتهاكا للسيادة العراقية استهدافا لمؤسسات أمنية رسمية، مؤكدة اتخاذ إجراءات لمنع أي اعتداءات مستقبلية والعمل على عدم استخدام الأراضي العراقية للإضرار بدول الجوار، بالتزامن مع تكليف مجلس الأمن الوطني بإعداد خطة أمنية لتعزيز السيطرة على الأرض.
كما دعا مقتدى الصدر الحرس الثوري الإيراني والفصائل المسلحة إلى عدم تحويل العراق إلى ساحة للصراع الإقليمي، محذرًا من أن تحركات ما وصفها بـ"الميليشيات المنفلتة" تمنح مبررات لاستهداف البلاد، ومشددًا على رفض أي اعتداء على العراق مهما كان مصدره.
سفينة أمريكية في دمياط
وفي تطور زاد من اضطراب الأسواق، اندلع حريق في سفينتين داخل ميناء دمياط المصري المطل على البحر المتوسط، وتشير تقارير الأمن البحري إلى أن الهجوم استهدف الناقلة الأمريكية العائمة "إنرجوس وينتر"، قبل أن تمتد النيران إلى السفينة المجاورة "غازلوج سالم"، وذلك أثناء عمليات تفريغ شحنة من الغاز الطبيعي المسال.
وفي اليوم التالي، أعلن مجلس الوزراء أن نتائج التحقيقات الأولية أظهرت أن الحريق نتج عن طائرة مسيرة، مع التأكيد على استمرار التحقيقات لكشف جميع ملابسات الحادث واتخاذ الإجراءات اللازمة من قبل الأجهزة المعنية لحماية الأمن القومي والمصالح المصرية، دون إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن.
وتواصل وزارة البترول بحث تداعيات حادث السفينتين وفي الأثناء، أعلنت هيئة ميناء دمياط استمرار النشاط التشغيلي بالميناء بكفاءة كاملة، حيث تشهد مختلف المحطات والأرصفة انتظامًا في حركة استقبال ومغادرة السفن، إلى جانب استمرار أعمال الشحن والتفريغ وتداول والبضائع بمختلف أنواعها وفق المعدلات التشغيلية المعتادة.
ولا تقتصر أهمية الحادث على الخسائر المباشرة، إذ يمثل ميناء دمياط إحدى أهم منصات تصدير الغاز الطبيعي المسال في شرق المتوسط، ما يجعل استهدافه تطورا يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز حدود الميناء نفسه، ويعكس اتساع رقعة التوتر إلى ممرات الطاقة الحيوية خارج نطاق مضيق هرمز والبحر الأحمر.
تعثر المسار الدبلوماسي
جاء هذا التصعيد بعد أيام من تفاؤل الأسواق بإمكانية إحراز تقدم دبلوماسي، وهو ما دفع أسعار النفط إلى التراجع بأكثر من 15% بين 23 و28 يوليو، لكن هذا المسار سرعان ما تعثر بعدما أفادت رويترز بأن إيران رفضت مقترحًا عمانيًا بشأن الإدارة المشتركة لمضيق هرمز، متمسكة بترتيبات تمنحها نفوذًا أكبر على المضيق، كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية اعتراض صواريخ إيرانية قالت إنها كانت تستهدف قواتها في المنطقة، في مؤشر جديد على تصاعد المواجهة.
تهديدات الحوثيين ومخاوف الإمدادات
وفي موازاة ذلك، واصل الحوثيون توسيع نطاق تهديداتهم للملاحة المرتبطة بالسعودية، مع توجيه تحذيرات طالت خط الأنابيب السعودي الممتد إلى ميناء ينبع.
كما أفادت رويترز بأن الصين أجرت اتصالات مباشرة مع الحوثيين لضمان مرور ناقلاتها النفطية بأمان. وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة انخفاض المخزونات التجارية من النفط بأكثر من المتوقع، بينما بقي الاحتياطي النفطي الاستراتيجي عند مستويات متدنية تاريخيًا.
وترجح هيليما كروفت، كبيرة محللي الطاقة في RBC Capital Markets، أن الأزمة دخلت مرحلة أكثر خطورة، محذرة من أن استمرار التصعيد قد يدفع أسعار خام برنت إلى حدود 120 دولارًا للبرميل إذا امتد التصعيد خلال أغسطس، وفقا لموقع المونيتور الأمريكي.
لم تكن القفزة الحادة في أسعار النفط مجرد رد فعل على تطورات عسكرية متفرقة، بل تعبيرًا عن تنامي المخاوف من دخول المنطقة مرحلة جديدة تصبح فيها الهجمات على البنية التحتية للطاقة وطرق الإمداد جزءًا من المشهد المعتاد، بعدما كان ينظر إليها في السابق باعتبارها أحداثا استثنائية أو نادرة الحدوث.





