من المعابد إلى المختبرات.. ثورة في الجراحة والتصوير الطبي بسبب الصبغة المصرية القديمة
قبل 5000 عاما، طحن الفنانون المصريون القدماء مزيجًا من الرمال والنحاس والكلس وأشعلوا تحته النار، فخرجت من الأفران مادة لم تكن الأرض قد شهدت مثيلها من قبل وهي عبارة عن صبغة اللون الأزرق الاصطناعي الأول في تاريخ البشرية. زين به الفراعنة جدران مقابرهم ومعابدهم، وبلغ ذروة حضوره حين أضاء تاج تمثال الملكة نفرتيتي، زوجة الفرعون أخناتون وربيبة واحد من أشهر ملوك مصر القديمة، توت عنخ آمون. اليوم، وبعد آلاف السنين، يعود هذا الأزرق الأسطوري — لا إلى جدران المعابد، بل إلى أكثر مختبرات العالم تطورًا، حاملًا في طياته ما قد يكون ثورة في علم التصوير الطبي الحديث، وفقا لمجلة ديبريف الأمريكية.
لون مصر.. ولادة أول صبغة اصطناعية في التاريخ
اكتشف علماء مصر القديمة حوالي عام 2500 قبل الميلاد أن خلط الحجر الجيري والرمال ومعدن النحاس ثم تسخينها معًا ينتج لونًا أزرق مبهرا يضاهي اللازورد النفيس بثمن بخس. كانت الصبغة في الأصل حلًا اقتصاديًا لتعويض الأحجار الكريمة الباهظة، لكنها سرعان ما أصبحت لغة بصرية للحضارة بأسرها، وانتشرت من وادي الرافدين إلى أثينا وروما، واستُخدمت في تزيين كل شيء من التماثيل الجنائزية إلى الفخار اليومي. والجدير بالذكر أن صانعيها الأوائل لم يدركوا أنهم كانوا يمارسون ما نسميه اليوم الهندسة الكيميائية بأبسط أدواتها.
سر مخبأ في 1000 قرن
غير أن الاكتشاف الذي أشعل الدهشة العلمية في القرن الحادي والعشرين لم يكن في الوصفة، بل فيما تخبئه هذه المادة على مستوى لا يُرى بالعين المجردة. في دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز، نجح فريق بحثي بقيادة الكيميائي سيباستيان كروس من جامعة غوتنغن الألمانية في تقشير حبيبات الصبغة المطحونة إلى صفائح نانوية رقيقة بشكل لا يُصدق: تبلغ سماكتها جزءًا من مئة ألف جزء من سماكة شعرة الإنسان. والأهم من ذلك أن هذه الصفائح تتألق بقوة في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة عند تحفيزها — وهو مجال تشح فيه المواد الفلورية الكفؤة بشدة.
ووصف كروس نتائجه بقوله إنه كان على يقين بأن هذه القدرات "ستكون ذات اهتمام متزايد لعلماء المواد وللبحث الطبي الحيوي" في السنوات المقبلة — وقد أثبتت السنوات الأخيرة صحة تنبؤه.
داخل جسد ذبابة الفاكهة.. وأوراق الأشجار
لاختبار إمكانات هذه الصفائح النانوية في الأنظمة الحية، أجرى الفريق تجربتين كاشفتين. الأولى كانت حقن جسيمات الصبغة في جنين ذبابة الفاكهة ثم تتبع حركتها أثناء نموه وتطوره، بينما قضت التجربة الثانية بإدماجها في أوراق النباتات ومقارنة أدائها بمواد فلورية تقليدية. وكانت النتيجة صادمة بوضوحها: أصدرت جسيمات الصبغة المصرية إشارة مضيئة قوية ظلت واضحة حتى في مواجهة التألق الطبيعي للأوراق، في حين اختفت المادة المقارنة وسط الضوضاء الضوئية.
ووصف كروس جسيمات الصبغة المصرية بأنها "ملصقات مضيئة بالغة الأهمية في البحث الطبي الحيوي"، معربًا عن إعجابه بها كـ"مادة فلورية شديدة الفاعلية".
من صبغة إلى أداة جراحية
تمتد التطبيقات المحتملة التي يتوقعها الباحثون إلى ما هو أبعد من مختبرات الأحياء. إذ يرى كروس وزملاؤه أن هذه الجسيمات قد تساعد مستقبلًا في رصد عمليات دقيقة كالتطور الجنيني وانقسام الخلايا، كما تحمل آفاقًا واعدة في الجراحة الموجهة بالصور وتمييز الأنسجة السرطانية داخل الجسم الحي بدقة لم تتح من قبل. ويُضاف إلى ذلك ما تتمتع به الصبغة من مقاومة للتبيض الضوئي، مما يعني أن إشعاعها يظل مستقرًا حتى في حالات الرصد الطويل — وهو شرط جوهري في التطبيقات الطبية.
ميزة بلا منافس
ما يمنح هذه الصبغة ميزة إضافية فريدة هو متانتها الاستثنائية التي أثبتتها عبر الآلاف من السنين. فالعينات التي بقيت في المقابر والمعابد المصرية لم تفقد خصائصها حتى اليوم، وكذلك شكلها النانوي يبقى مستقرًا عبر فترات زمنية طويلة جدًا — وهو ما يجعلها مرشحة جدية لتطبيقات تستلزم مواد فائقة الثبات والموثوقية.
وكما يقول موقع ديبريف الأمريكي في ختام تقريره: "هذا النوع من التقنية النانوية القديمة لا يزال يؤدي دورًا حقيقيًا في بناء تقنيات الطب الحيوي لغد لم يظل العالم بعد، وذلك بعد أكثر من 5000 عاما على اكتشافه الأول".