الأحد 26 يوليو 2026 الموافق 12 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل

الأبيض تحت الحصار.. مخاوف من تكرار سيناريو الفاشر والعالم يراقب في صمت

الرئيس نيوز

تتزايد المخاوف من وقوع مجزرة جديدة في السودان، مع اقتراب المعارك من مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تحاصرها قوات الدعم السريع فيما لا تزال القوات الحكومية تسيطر عليها. وبينما تشير التحركات العسكرية إلى احتمال اقتراب هجوم واسع على المدينة، تبدو فرص المدنيين في الفرار محدودة للغاية، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن البلاد تقف على أعتاب كارثة جديدة، وسط انتقادات لضعف الضغوط الدولية على طرفي الحرب، وفقا لصحيفة تاجس شو الألمانية.

الأبيض.. مدينة محاصرة تنتظر المجهول

تقع الأبيض على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب غربي العاصمة الخرطوم، وتحتل موقعًا استراتيجيا مهما في وسط السودان، ما يجعل السيطرة عليها هدفًا رئيسيًا في الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

لكن أهمية المدينة العسكرية والجغرافية لا تلغي حقيقة أن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر. فمع إحكام الحصار، تصبح خيارات السكان محدودة، فيما تشير التطورات الميدانية إلى أن قوات الدعم السريع تستعد لشن هجوم على المدينة، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات دامية شهدتها مناطق أخرى من السودان.

وتزداد المخاوف لأن سكان الأبيض يجدون أنفسهم أمام معادلة شديدة القسوة: البقاء داخل مدينة محاصرة قد يعني التعرض للقتال والجوع والعنف، بينما قد تكون محاولة الفرار نفسها محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في ظل انهيار الأمن وغياب طرق آمنة يمكن للمدنيين استخدامها للخروج.

تحذير أممي من كارثة جديدة

حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن المؤشرات في السودان واضحة على اقتراب كارثة جديدة في مجال حقوق الإنسان. ويذهب خبير الشأن السوداني رومان ديكيرت إلى أبعد من ذلك، محذرًا من احتمال وقوع إبادة جماعية معلنة مسبقًا، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي يملك الآن مؤشرات كافية للتحرك قبل وقوع الكارثة، وليس بعدها.

ويستند هذا القلق إلى سجل طويل من الانتهاكات التي رافقت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص، فيما اتُهم طرفا الصراع بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين.

وتأتي التحذيرات الجديدة بعد الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر في إقليم دارفور خلال أكتوبر 2025، عندما تعرض المدنيون لأعمال قتل وعنف وانتهاكات واسعة النطاق. وتقول تقارير إن آلاف الأشخاص قتلوا، بينما لا يزال عشرات الآلاف في عداد المفقودين، وسط تقديرات غير دقيقة بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال.

الفاشر.. ذكرى ثقيلة تخيم على الأبيض

بعد مأساة الفاشر، تخشى منظمات حقوقية وخبراء أن يتكرر السيناريو نفسه في الأبيض. فالتجربة السابقة أظهرت أن حصار المدن قد يتحول إلى مقدمة لهجمات واسعة ضد المدنيين، خصوصًا عندما تترافق المعارك مع انهيار الخدمات الأساسية وغياب الممرات الآمنة.

وفي الحرب السودانية، لم يعد المدنيون ضحايا جانبيين للمعارك، بل أصبحوا في كثير من الأحيان الهدف المباشر للصراع أو ورقة ضغط تستخدمها الأطراف المتحاربة. ومع استمرار القتال، تتراجع قدرة السكان على الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تتحول عمليات النزوح إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

وكانت الحرب بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع قد بدأت في أبريل 2023، بعد انهيار الشراكة الهشة بين الطرفين، وتحولت منذ ذلك الحين إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وتشير تقديرات سابقة إلى أن أكثر من 12 مليون شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم، معظمهم داخل السودان، فيما يعتمد نحو نصف سكان البلاد على المساعدات الغذائية.

الجوع سلاح قاس

ولا تقتصر مأساة السودانيين على الرصاص والقصف. فالحصار وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية جعلا الجوع جزءًا من أدوات الحرب.

وتواجه قوافل الإغاثة عراقيل من جانب القوات المتحاربة، بينما يصعب على المنظمات الإنسانية الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجا. ومع استمرار القتال، تتسع دائرة الحرمان، ويصبح المدنيون محاصرين بين خطر الموت المباشر وخطر الجوع والمرض.

وتكشف هذه الصورة عن طبيعة الأزمة التي تواجه الأبيض: فالمدينة لا تواجه خطر هجوم عسكري فحسب، وإنما خطر انهيار كامل للقدرة على حماية السكان وتأمين احتياجاتهم الأساسية إذا طال أمد الحصار.

لماذا لا يتحرك العالم قبل فوات الأوان؟

فشلت الضغوط الدولية السابقة في إجبار طرفي الحرب على وقف القتال أو ضمان حماية المدنيين بصورة فعالة. وعلى الرغم من عقد مؤتمرات دولية لحشد المساعدات والبحث عن مخرج سياسي، فإن الحرب استمرت، فيما بقيت المحاسبة على الانتهاكات محدودة والضغوط على المتحاربين أقل من حجم الكارثة.

وتحذر التطورات في الأبيض من أن التأخر في التحرك قد يجعل التدخل لاحقًا أكثر صعوبة وبتكلفة باهظة للغاية. فكلما اشتد الحصار واقترب الهجوم، تقلصت فرص إجلاء المدنيين وفتح ممرات إنسانية آمنة.