آفاق الصدام الأمريكي الإيراني الأخير.. 5 سيناريوهات لنهاية الحرب
بعد أسابيع من القتال المتقطع وتوسط باكستاني، توصلت واشنطن وطهران إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في إبريل، ثم إلى مذكرة تفاهم من 14 بندا وقعها الرئيس دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في 17 يونيو الماضي، تنص على إنهاء دائم للعمليات العسكرية، وتعهد إيراني بعدم امتلاك سلاح نووي، وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل تخفيف العقوبات وخطة اقتصادية لإعادة إعمار إيران، على أن تحسم التفاصيل النووية الدقيقة خلال 60 يوما من المفاوضات.
الشيطان يكمن في التفاصيل: خلاف حول المضيق
سرعان ما تعثرت المذكرة عند بند مرور السفن عبر مضيق هرمز، إذ سعت إيران لفرض ترتيبات خاصة بها تشمل تحديد مسارات ملاحية ورسوم عبور، وهو ما رفضته سلطنة عمان المشرفة على المضيق والولايات المتحدة التي اعتبرته مخالفا لمبدأ "الفتح" الذي نصت عليه المذكرة. وتصاعد الموقف بشكل خطير في 6 و7 يوليو حين استهدفت إيران ثلاث ناقلات تجارية، ما دفع واشنطن لإعادة فرض العقوبات النفطية وشن موجة ضربات طالت أكثر من 80 هدفا داخل إيران، معلنا ترامب أن الهدنة "انتهت"، قبل أن يتراجع جزئيا في اليوم التالي مؤكدا أن التصعيد لن يتحول لعمل عسكري طويل الأمد.
170 ضربة في يومين وتبادل نيران متصاعد
وشهدت الأيام التالية تصعيدا حادا، إذ أفادت تقارير بأن القوات الأمريكية شنت أكثر من 170 ضربة على إيران خلال يومين فقط، استهدفت منشآت في محافظتي بوشهر وهرمزكان من بينها محيط محطة طاقة نووية ورصيف صيد، فيما ردت إيران بإطلاق عشرة صواريخ باليستية على قاعدة أمريكية في الأردن اعترضتها الدفاعات الجوية الأردنية، إلى جانب استهداف قواعد أمريكية في الكويت والبحرين. ورغم ذلك، أكد مسؤول أمريكي أن دبلوماسية هادئة تجري خلف الكواليس، وأن واشنطن تتعمد الضرب ثم التوقف لإتاحة مجال للمفاوضات، محتفظة بقائمة أهداف كورقة ضغط، وفقا لشبكة سي إن إن.
تعقيد إضافي: خلافة خامنئي
زاد المشهد تعقيدا مع تولي مجتبى خامنئي، النجل الأصغر للمرشد الراحل، منصب المرشد الأعلى الجديد في 8 مارس، في خطوة اعتبرها محللون تكريسا لهيمنة الحرس الثوري على مقاليد السلطة الفعلية في إيران. وأبدى ترامب انزعاجه العلني من هذا الاختيار، معتبرا أن إيران "ارتكبت خطأ كبيرا" ومرجحا ألا يدوم مجتبى طويلا في منصبه، فيما أكد مستشاره العسكري الجديد محسن رضائي أن الحرب "لن تنتهي ولن تكون هناك هدنة حتى ترفع العقوبات وتدفع التعويضات وتقدم ضمانات دولية ملزمة".
خمسة سيناريوهات لنهاية الحرب
وطرحت تحليلات غربية عدة سيناريوهات محتملة لمسار الصراع، أولها استمرار التصعيد المتبادل دون نهاية واضحة، حيث تعيد إيران بناء قدراتها العسكرية دون تجاوز عتبة التسلح النووي، ما يبقي الباب مفتوحا لضربات مستقبلية. ثانيها عودة جادة للمفاوضات، وهو ما يتطلب تنازلا من أحد الطرفين بشأن مسألة تخصيب اليورانيوم الخلافية. ثالثها احتمال أن تلجأ إيران، في ظل الضغط الخانق، لتطوير سلاح نووي كرادع أخير رغم مخاطره الوجودية. أما رابعها فهو ما وصفه محللون بـ"سيناريو الصبر الاستراتيجي"، حيث تكتفي طهران بدبلوماسية تكتيكية دون اختراقات حقيقية، وتعمق علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الصين وروسيا انتظارا لتحول موازين القوى الدولية، وفقا لمجلة ريسبونسيبل ستيتكرافت.
سيناريو أمريكي: احتواء على الطريقة العراقية
وطرحت المجلة رؤى محللين أمريكيين بشأن سيناريو أساسي يشبه احتواء العراق في تسعينيات القرن الماضي، حيث تواصل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تسيير دوريات فوق الأجواء الإيرانية بمخاطر محدودة نظرا لضعف الدفاعات الجوية الإيرانية، وتضرب أي محاولة لإعادة بناء القدرات الصاروخية أو النووية أو المسيرة فور رصدها، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير النظام، لكنه قد يمهد لتآكل تدريجي لسلطة الجمهورية الإسلامية في ظل استمرار الاحتجاجات الداخلية.
ويحذر المحللون في المقابل من سيناريو أسوأ يتمثل في أن تضطر الضغوط الاقتصادية الأمريكية الداخلية ترامب لإعلان نصر مبكر قبل اكتمال الحملة العسكرية فعليا، تاركا التهديد الإيراني قائما جزئيا.
ورقة الضغط الاقتصادية.. من يتحمل التكلفة أولا؟
يراهن الجانب الإيراني على أن استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، يمنحه ورقة ضغط اقتصادية فعالة، خاصة مع تحذير ترامب نفسه سابقا من أن استمرار الحرب قد يتسبب في "كساد كبير" جديد. وفي المقابل، تشير تقديرات إلى أن الصين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني، بدأت بالفعل تشعر بتداعيات الأزمة، إذ لجأت مؤخرا لحظر تصدير غاز الهيليوم الحيوي لصناعة الرقائق الإلكترونية في ظل الضغط الذي يفرضه الصراع على سلاسل الإمداد العالمية.
مخاوف من محاولة اغتيال واستمرار حالة الحذر
تصاعدت المخاوف الأمنية مؤخرا بعدما شاركت إسرائيل معلومات استخباراتية مع واشنطن تفيد بأن طهران وضعت خطة جديدة لاغتيال الرئيس ترامب، في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز يشهد تراجعا حادا في حركة الملاحة التجارية، إذ لم يتجاوز عدد الناقلات العابرة للمضيق 15 ناقلة خلال 24 ساعة وفق بيانات تتبع بحري، مقارنة بمعدلات طبيعية تفوق العشرين. وتواصل الدبلوماسية الإقليمية جهودها، إذ أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات مع نظرائه في تركيا وعمان والسعودية، فيما زار مسقط للبحث في ترتيبات المضيق، وسط تأكيد إيراني على تفضيل "القنوات الدبلوماسية" مع التحذير من أن طهران لن تقبل "الاستسلام" تحت وطأة القصف، وفقا للمجلس الأطلسي.
لا أفق حاسم في المدى القريب
يخلص المحللون الغربيون إلى أن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط وقف تقدم البرنامج النووي الإيراني، بل تحديد ما هو "الانتصار" الذي تسعى إليه واشنطن وتل أبيب فعليا، وهل هما مستعدتان لتحمل التبعات طويلة الأمد لأي من السيناريوهات المطروحة. فبينما تراهن طهران على صمودها وقدرتها على فرض تكاليف باهظة على خصومها عبر مضيق هرمز، يبدو أن واشنطن منقسمة داخليا بين رغبة ترامب في إعلان نصر سريع يخفف الضغط الاقتصادي الداخلي، وتحذيرات عسكرية من أن التساهل مع القيادة الإيرانية الجديدة قد يعيد الحرب "خلال خمس سنوات" بحسب تعبير ترامب نفسه، وفقا لموقع أكسيوس.