الثلاثاء 09 يونيو 2026 الموافق 23 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

كير ستارمر.. أكثر رؤساء وزراء بريطانيا بُعدًا عن صخب المنصات الرقمية

الرئيس نيوز

تعيش السياسة البريطانية اليوم تحولًا جذريًا يعيد تشكيل ملامح الديمقراطية التقليدية، في ظل انتقال مركز الثقل من الشاشات التلفزيونية إلى الفضاء الرقمي وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي.

وفي خضم هذا التحول المتسارع، يبرز رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر كحالة استثنائية؛ إذ يبدو أقرب إلى السياسي التقليدي الذي ينتمي إلى حقبة سابقة، وربما يكون آخر رئيس وزراء بريطاني يمثل جيل القادة المنفصلين نسبيًا عن ضجيج الإنترنت وعالمه الافتراضي.

وترى صحيفة الإندبندنت أن هذا النموذج قد يفتقده البريطانيون مستقبلًا، مع صعود جيل جديد من السياسيين المستعدين لفعل كل ما يلزم لإرضاء خوارزميات منصات مثل "تيك توك" و"إكس"، سعيًا وراء الانتشار والتأثير السريع.

ستارمر والفجوة الرقمية مع خصومه

يتضح التباين الكبير في الأداء الرقمي عند مقارنة ستارمر بمنافسيه السياسيين، فبينما يجد رئيس الوزراء صعوبة في تقديم محتوى رقمي جذاب، وتبدو مقاطعه المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي جامدة ومفتقرة إلى العفوية، وكأنه يقرأ من شاشة تلقين دون تفاعل حقيقي، يعتمد سياسيون آخرون، مثل نايجل فاراج وزعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، على البث المباشر والبودكاست لتجاوز وسائل الإعلام التقليدية والتواصل مباشرة مع الناخبين.

غير أن هذا الضعف الرقمي لدى ستارمر يعكس جانبًا أعمق في شخصيته السياسية. فهو لا يبدو منشغلًا بحصد الإعجابات أو زيادة أعداد المتابعين، بل يستخدم المنصات الرقمية في الغالب لتوجيه رسائل سياسية أو انتقادات عامة، كما حدث في مواجهته الأخيرة مع إيلون ماسك، حين اتهمه بالمساهمة في تأجيج الانقسامات داخل المجتمع البريطاني.

فخ الإفراط في الاتصال وتزييف الواقع

وتطرح هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين السياسة والإنترنت، فثمة فارق بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لنقل الرسائل السياسية، وهو أمر أصبح ضروريًا في العصر الحديث، وبين التعامل معها باعتبارها مؤشرًا دقيقًا لقياس اتجاهات الرأي العام وصياغة المواقف السياسية بناءً عليها.

وترى الصحيفة أن الخطر الحقيقي يكمن في الحالة الثانية، حيث يقع بعض السياسيين في فخ ما يعرف بـ"التفكير الجماعي المستقطب" على الإنترنت (Online Groupthink)، فالإفراط في متابعة النقاشات الرقمية قد يدفع السياسي إلى الاعتقاد بأن المجتمعات المغلقة داخل المنصات تمثل الرأي العام الحقيقي، بينما هي في الواقع مجرد "غرف صدى" تعيد إنتاج الآراء ذاتها وتضخم الأصوات الأكثر تطرفًا.

قضية هنري نوفاك والمراهقة السياسية الرقمية

وتجسد قضية مقتل الشاب هنري نوفاك هذا الإشكال بوضوح، فقد سارع نايجل فاراج عبر بث مباشر على الإنترنت، إلى اتهام الأجهزة الأمنية بممارسة ما وصفه بـ"الأمن ذي المستويين"، مدعيًا أن الشرطة تقاعست عن حماية الضحية بسبب اعتبارات تتعلق بالتنوع العرقي.

غير أن هذه الرواية، التي انتشرت في أوساط اليمين المتطرف على منصة "إكس"، استندت إلى معلومات غير مكتملة تم تداولها قبل رفع الحظر القضائي عن النشر، وسرعان ما تحولت تصريحات فاراج إلى مادة للهجوم السياسي من جانب كير ستارمر ووزيرة الداخلية كيمي بادينوخ، اللذين اتهماه بتسييس الجريمة وإثارة الانقسام المجتمعي خلافًا لرغبة عائلة الضحية.

وبحسب الصحيفة، فإن هذا الاندفاع الرقمي أضر بصورة فاراج، حيث بدا أقرب إلى شخصيات مثيرة للجدل مثل إيلون ماسك، الذي يدعم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" (Reform UK)، بدلًا من الظهور بمظهر رجل الدولة الساعي إلى قيادة الحكومة، ما أبعد عنه شريحة من الناخبين المعتدلين والمترددين.

مستقبل رقمي يهدد الخطاب السياسي

لا يمكن إنكار التأثير العميق الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة السياسية حول العالم، فمن جهة، أسهمت في كسر احتكار وسائل الإعلام التقليدية للمشهد العام، ومنحت السياسيين قنوات مباشرة للتواصل مع الجمهور، لكنها، من جهة أخرى، دفعت الخطاب السياسي نحو مزيد من التبسيط والاختزال، عبر تحويل القضايا المعقدة إلى عبارات قصيرة وشعارات جذابة يسهل تداولها رقميًا.

وترى الإندبندنت أن القلق الحقيقي لا يتعلق بالسياسيين التقليديين من طراز ستارمر، بل بما قد يأتي بعدهم. فالنماذج الجديدة من المحتوى السياسي، بما في ذلك المواد البصرية المنتجة بالذكاء الاصطناعي التي تستخدمها بعض الأحزاب، تعكس اتجاهًا متزايدًا نحو صناعة خطاب سياسي قائم على الإثارة والانتشار أكثر من اعتماده على المضمون.

ومع تراجع حضور الجيل التقليدي من القادة، قد تجد الديمقراطيات الغربية نفسها أمام واقع تصبح فيه المنافسة السياسية أقرب إلى سباق بين صناع المحتوى الرقمي، لا بين أصحاب الرؤى والبرامج السياسية، وعندها ربما يكتشف كثيرون قيمة ذلك النوع من السياسيين الذين حافظوا على قدر من الرصانة والمسافة عن عالم الإنترنت، قبل أن يختفوا تمامًا من المشهد العام.