الثلاثاء 09 يونيو 2026 الموافق 23 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

تحطم حلم المقاتلة الأوروبية.. ألمانيا تبحث عن بديل أمريكي ليوروفايتر بعد فشل مشروع المليارات

الرئيس نيوز

في لحظة بدت للكثير وكأنها إعلان وفاة رسمي لأحد أكبر أحلام أوروبا الاستراتيجية، أسدل الستار في معرض برلين الدولي للطيران على مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية FCAS، البرنامج الذي كان يفترض أن يمثل تتويجًا لعقود من الطموحات الأوروبية للتحرر من الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة، وفقا لمجلة ديرشبيجل الألمانية.

فبعد نحو تسع سنوات من المفاوضات والخلافات والتأجيلات، قررت ألمانيا وفرنسا إنهاء التعاون المشترك في تطوير المقاتلة الجديدة NGF، القلب النابض لمنظومة القتال الجوي المستقبلية، لتتحول مبادرة تجاوزت قيمتها التقديرية مئة مليار يورو من رمز للوحدة الأوروبية إلى نموذج صارخ لفشل الشراكة الدفاعية داخل القارة.

متى ولد الحلم الأوروبي الكبير؟

في صيف 2017 وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل لإطلاق مشروع بدا حينها ثوريًا بكل المقاييس. وكان الهدف واضحًا: تطوير مقاتلة من الجيل السادس تتجاوز قدرات رافال الفرنسية ويوروفايتر الأوروبية، وتكون جزءًا من منظومة قتالية متكاملة تضم طائرات مسيرة وشبكات قيادة وتحكم رقمية وسحابة بيانات قتالية تربط جميع عناصر المعركة في الزمن الحقيقي.

لاحقا، انضمت إسبانيا إلى المشروع ليصبح أكبر تعاون دفاعي تشهده أوروبا منذ عقود، وليتحول إلى حجر الزاوية في مستقبل القوات الجوية الأوروبية بعد عام 2040. لكن ما بدا على الورق تحالفًا استراتيجيًا تاريخيًا، كان يخفي في داخله تناقضات عميقة بين رؤيتين مختلفتين تماما لمستقبل القوة الجوية.

صراع النفوذ الذي قتل المشروع

منذ المراحل الأولى بدأت الخلافات تتراكم بصمت. وأعلنت شركة داسو الفرنسية رغبتها في الاحتفاظ بالدور القيادي الكامل في تصميم المقاتلة الجديدة باعتبارها صاحبة الخبرة التي أنتجت رافال، بينما تمسكت إيرباص بحقها في المشاركة المتساوية بصفتها الممثل الرئيسي للصناعة الدفاعية الألمانية. ومع مرور الوقت لم يعد الخلاف يقتصر على نسب العمل أو توزيع العقود، بل امتد إلى أكثر الملفات حساسية: التكنولوجيا والملكية الفكرية وحقوق التصدير المستقبلية.

لكن كل طرف كان يخشى أن يتحول إلى شريك ثانوي داخل مشروع يمول جزءا كبيرا من تكلفته. ومع كل جولة تفاوض كانت الفجوة تتسع أكثر، حتى أصبح التوصل إلى تسوية أمرا شبه مستحيل.

مقاتلة واحدة لمهمتين متناقضتين

وراء الخلافات الصناعية كانت هناك مشكلة أكثر تعقيدا. تحتاج فرنسا إلى مقاتلات قادرة على الإقلاع من حاملات الطائرات والعمل ضمن عقيدتها النووية المستقلة، فيما تركز ألمانيا على مهام الدفاع الجوي التقليدية والعمليات المشتركة داخل حلف الناتو. وبمعنى آخر، كان المطلوب من المقاتلة الجديدة أن تلبي احتياجات جيشين مختلفين تماما في العقيدة والمهام والأولويات.

ومع تعاظم التحديات التقنية وارتفاع التكاليف، بدأ السؤال الذي طرحه المستشار الألماني فريدريش ميرز مطلع عام 2026 يفرض نفسه بقوة: هل يمكن فعلا لطائرة واحدة أن تلبي هذه المتطلبات المتناقضة؟ وجاءت الإجابة العملية بعد أشهر قليلة فقط، بالنفي.

انهيار المفاوضات خلف الأبواب المغلقة

خلال الأشهر الأولى من عام 2026 جرت محاولات أخيرة لإنقاذ المشروع. وعقدت لقاءات سياسية وصناعية رفيعة المستوى بين باريس وبرلين، وطرحت مبادرات وساطة لإعادة توزيع المسؤوليات وتقاسم التكنولوجيا. لكن الاجتماعات انتهت جميعها إلى النتيجة نفسها بدون التوصل إلى اتفاق.

وفي أبريل انهارت المفاوضات الصناعية بالكامل، قبل أن يتحول الفشل الفني إلى قرار سياسي بإنهاء الشراكة. وبذلك انتهى فعليا أكبر مشروع دفاعي أوروبي قبل أن تنتج منه طائرة واحدة جاهزة للقتال.

عودة ألمانيا إلى المظلة الأمريكية

كان الطرف الأكثر إحراجا بعد انهيار حلم اليوروفايتر هو ألمانيا. فالقوات الجوية الألمانية تحتاج خلال العقود المقبلة إلى بديل متطور لأسطول يوروفايتر الحالي، بينما أصبح البرنامج الأوروبي الذي كان يفترض أن يوفر هذا البديل جزءا من الماضي. لذلك تبدو الخيارات المتاحة محدودة.

إما الانضمام إلى برامج أوروبية جديدة مع شركاء آخرين مثل السويد، أو التوسع في شراء مقاتلات F-35 الأمريكية التي بدأت بالفعل تدخل الخدمة داخل سلاح الجو الألماني. لكن هذا الخيار يضع برلين أمام معضلة سياسية واضحة.

فكل طائرة أمريكية إضافية تعني مزيدا من الاعتماد على واشنطن، ومزيدا من الابتعاد عن حلم الاستقلال الدفاعي الأوروبي الذي كان FCAS يمثل أبرز تجسيداته.

الخاسر الحقيقي ليس ألمانيا ولا فرنسا

الخسارة الأكبر لا تتمثل في الأموال المهدرة أو السنوات الضائعة. فالخاسر الحقيقي هو المشروع الأوروبي نفسه. فبينما تمضي الولايات المتحدة قدما في تطوير مقاتلات الجيل المقبل ضمن برنامج NGAD، وتواصل الصين توسيع قدراتها الجوية بوتيرة متسارعة، تجد أوروبا نفسها اليوم بلا برنامج موحد لمقاتلة الجيل السادس.

وكشف انهيار مشروع FCAS أن المشكلة الأوروبية ليست نقص التمويل أو التكنولوجيا، بل العجز المستمر عن تحويل المصالح الوطنية المتنافسة إلى مشروع استراتيجي مشترك. وإذا كانت أوروبا عاجزة عن الاتفاق على تصميم طائرة واحدة، فكيف ستنجح في بناء دفاع أوروبي موحد في عالم يزداد خطورة يوما بعد يوم؟