بعد إيران.. هل تصبح تركيا الهدف الإسرائيلي الجديد؟
لم تعد العلاقة بين إسرائيل وتركيا خلافا دبلوماسيا عابرا من الممكن احتواؤه خلف الكواليس. فمنذ مطلع عام 2026، تجاوزت العلاقة بين البلدين حدود الابتعاد الدبلوماسي إلى ما يشبه التنافس الاستراتيجي الحاد، بما ينطوي عليه ذلك من تداعيات تمتد حتى إلى الحسابات الأمريكية في المنطقة، وفقا لتقرير نشره موقع ميدل «إيست مونيتور»، المتخصص في الشؤون الجيوسياسية.
المفارقة أن إسرائيل لم تقترب بعد من إنهاء حاسم لملف إيران، حتى بدأت أصوات بارزة في تل أبيب وواشنطن تطرح تركيا بوصفها التهديد الاستراتيجي المقبل. حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت أن تركيا باتت تحل محل إيران بوصفها أكبر تهديد استراتيجي لإسرائيل، لم تكن تصريحاته مجرد تحذير من عدو جديد، بل عبّرت عن قلق أعمق، واحتمال دخول إسرائيل في مواجهة مطوّلة مع خصم قوي ومزدهر يمتلك ثقلًا تاريخيًا استثنائيًا.
قلق إسرائيلي من محور سني جديد
يرى المحللون الإسرائيليون أن الخطر لا يكمن في تركيا وحدها، بل في منظومة إقليمية أوسع. أسوأ السيناريوهات في نظر هؤلاء هو تشكيل محور معاد يضم تركيا وقطر، مدعومًا بالقدرة النووية لحليفتهما باكستان. ويذهب متخصصون في العلاقات الدولية إلى أن مثل هذا المحور قد يتفوق على المحور الشيعي الإيراني لأسباب موضوعية؛ إذ تجمع تركيا بين الحجم الاقتصادي الكبير والعضوية في حلف الناتو والتأثير الجيوسياسي الممتد من البلقان إلى القوقاز، مما يمنحها نفوذًا لم يكن متاحًا لطهران في أوج قوتها، كما يرجح المحللون في تقرير ميدل إيست مونيتور.
ولا تقتصر المواجهة على ملف قطاع غزة الذي دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، رغم مركزيته. إذ تتصادم الرؤيتان الإسرائيلية والتركية بشكل حاد حول مستقبل غزة؛ فأنقرة تروج لصيغة حوكمة تقودها شخصيات فلسطينية تشمل الجناح السياسي لحركة حماس، في حين ترفض إسرائيل رفضًا قاطعًا أي حضور تركي في الحكومة المستقبلية لغزة، سواء أكان مدنيًا أم أمنيًا.
السلاح الاقتصادي
لم تكتفِ أنقرة بالموقف الخطابي، بل حوّلت اقتصادها إلى أداة ضغط فعلية. في مايو 2024، فرضت تركيا حصارًا تجاريًا شاملًا على إسرائيل شمل الواردات والصادرات على حد سواء، وجاء ذلك في سياق قيود سابقة طالت أكثر من 54 مجموعة سلعية بينها الأسمنت والألمنيوم والأسمدة. وعلى الرغم مما يبدو من حدة هذا الموقف، يحرص أردوغان على إدارة الملف بعناية؛ فقد وصف الضربات الإيرانية الانتقامية على دول الخليج بأنها "غير مقبولة بصرف النظر عن الملابسات"، مما يكشف عن رغبة أنقرة في حفظ علاقاتها مع واشنطن والعواصم العربية بدلًا من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
الثقل التاريخي
ما يجعل الخصومة مع تركيا مختلفة جوهريًا في التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي هو بُعدها التاريخي. يمتد الإرث العثماني في فلسطين حتى عام 1917، وكثيرًا ما يستحضر أردوغان في خطاباته هذا الإرث مقدمًا تركيا حارسةً للأراضي الإسلامية. وخلافًا لإيران التي تستند إلى أيديولوجيا شيعية تجعلها غريبة عن معظم العرب السنة، تمتلك تركيا مشروعية ثقافية وتاريخية راسخة في المنطقة، مما يمنح الخطاب التركي صدى أوسع.
تحذير أم استفزاز؟
لكن المشهد لا يخلو من أصوات تشكك في جدوى هذا التأطير. يرى المنتقدون أن مقاربة تركيا بوصفها "إيران جديدة" محفوفة بمخاطر سوء التقدير الاستراتيجي، وأن نتنياهو أعلن بالفعل عن مشروع لبناء "مسدس" من التحالفات يضم اليونان وقبرص لمواجهة ما وصفه بـ"المحور السني الراديكالي الصاعد". ويحذر عدد من المحللين من أن التضخيم المتعمد للتهديد التركي قد يدفع أنقرة نحو تحالفات أكثر عدائية لا نحو الاعتدال.
وكانت تركيا أول دولة مسلمة كبرى تعترف دبلوماسيًا بإسرائيل في عام 1949، غير أن مسيرة العلاقات بين البلدين شهدت تحولًا جذريًا في أعقاب هجوم أسطول غزة عام 2010، ولم تتعافى قط. واليوم، وبعد أن كسرت إسرائيل القدرة الإيرانية إلى حد بعيد، يبدو أن البوصلة الإسرائيلية تتجه شمالًا نحو أنقرة. والسؤال المطروح ليس إن كانت التوترات ستتصاعد، بل إلى أي مدى يمكن إدارتها قبل خروج قاطرة التوترات عن قضبانها.