“نتفليكس تراقبك”.. دعوى قضائية تتهم عملاق البث بالتجسس على الأطفال والتسبب في الإدمان الرقمي
دخلت منصة نتفيلكس واحدة من أكثر أزماتها القانونية والتنظيمية تعقيدًا في الولايات المتحدة، بعدما رفعت ولاية تكساس دعوى قضائية تتهم عملاق البث العالمي بالتجسس على الأطفال والمستخدمين وجمع بياناتهم الشخصية دون موافقة صريحة، إلى جانب تصميم المنصة بطريقة “إدمانية” تهدف إلى إبقاء المشاهدين ملتصقين بالشاشات لأطول وقت ممكن.
وذكرت صحيفة ميامي هيرالد الأمريكية، أن القضية التي تقدم بها المدعي العام لولاية تكساس كين باكستون، لا تقتصر على ادعاءات تتعلق بالخصوصية فحسب، بل تفتح الباب أمام مواجهة أوسع بشأن الكيفية التي تدير بها شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية بيانات المستخدمين، خاصة الأطفال والمراهقين، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين حول العالم.
حين تشاهد نتفليكس.. نتفليكس تشاهدك
ووفقًا لعريضة الدعوى، تتهم تكساس منصة نتفليكس بجمع كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بعادات المشاهدة والتفضيلات الشخصية والأجهزة المستخدمة والشبكات المنزلية وحتى أنماط التفاعل داخل التطبيق، ثم مشاركة هذه البيانات مع شركات إعلانات ووسطاء بيانات لتحقيق أرباح بمليارات الدولارات سنويًا.
وتقول الدعوى إن نتفليكس قدمت نفسها لسنوات بوصفها منصة “آمنة وخالية من المراقبة”، بينما كانت عمليًا تبني ما وصفته السلطات بأنه “برنامج مراقبة سلوكي” واسع النطاق يشمل حتى حسابات الأطفال.
كما استشهدت الدعوى بتصريحات سابقة أدلى بها المؤسس المشارك ريد هاستنج في عام 2020 قال فيها إن الشركة “لا تجمع شيئًا” من بيانات المستخدمين مقارنة بعمالقة التكنولوجيا الآخرين، وهي تصريحات ترى الولاية أنها تتناقض مع الممارسات الفعلية للشركة.
“منصة إدمانية” مصممة لإبقاء الأطفال أمام الشاشة
أحد أكثر الجوانب إثارة في الدعوى يتعلق باتهام نتفليكس بتصميم منصتها بشكل متعمد لخلق سلوك إدماني لدى المستخدمين، خاصة الأطفال.
وتشير الوثائق القانونية إلى استخدام ما يُعرف بـ“الأنماط المظلمة” أو Dark Patterns، وهي تقنيات تصميم رقمية تهدف إلى دفع المستخدم لاتخاذ سلوك معين دون إدراك كامل، مثل ميزة التشغيل التلقائي التي تبدأ عرض حلقة جديدة فور انتهاء الحلقة السابقة، بما يخلق تدفقًا مستمرًا للمحتوى يصعب معه التوقف عن المشاهدة.
وترى سلطات تكساس أن هذه الآليات لا تستهدف فقط زيادة وقت المشاهدة، بل تساعد أيضًا على جمع المزيد من البيانات السلوكية الدقيقة حول المستخدمين، وهو ما تعتبره الولاية انتهاكًا لقوانين حماية المستهلك والخصوصية.
نتفليكس ترد: “دعوى مشوهة وغير دقيقة”
من جهتها، نفت نتفيلكس الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أن الدعوى “تفتقر إلى الأساس القانوني” وتعتمد على “معلومات مشوهة وغير دقيقة”، وقالت الشركة إنها تلتزم بقوانين الخصوصية وحماية البيانات، وتوفر أدوات رقابة أبوية وشفافية للمستخدمين بشأن كيفية إدارة بياناتهم. كما ألمحت إلى أنها ستواجه الاتهامات داخل المحاكم الأمريكية.
لكن الدعوى قد تتحول إلى اختبار قانوني بالغ الحساسية لصناعة البث الرقمي بأكملها، خاصة مع تصاعد الضغوط السياسية والتنظيمية على شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا.
موجة تشكيك وغضب على الإنترنت
أثارت القضية أيضًا تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع النقاش الأمريكية، حيث انقسم المستخدمون بين من رأى أن نتفليكس تمارس بالفعل أساليب مراقبة واستهداف مشابهة لشركات التكنولوجيا الكبرى، وبين من اعتبر القضية ذات دوافع سياسية مرتبطة بالتصعيد المتزايد ضد شركات الإعلام والتقنية.
وفي منتديات تقنية أمريكية، رأى بعض المستخدمين أن الاتهامات المتعلقة بخصائص “الإدمان الرقمي” لا تخص نتفليكس وحدها، بل تمثل نموذجًا واسع الانتشار في اقتصاد المنصات الرقمية، حيث تُصمم التطبيقات والخدمات لإطالة مدة التفاعل وتحقيق أقصى استفادة تجارية من انتباه المستخدمين.
معركة قد تعيد رسم قواعد الفضاء الرقمي
تجدر الإشارة إلى أن المخاطر بالنسبة لنتفليكس لا تتعلق بالغرامات المحتملة فقط، بل بإمكانية فتح الباب أمام موجة جديدة من الدعاوى المتعلقة بخصوصية الأطفال والإدمان الرقمي واستغلال البيانات السلوكية.
وتطالب ولاية تكساس بوقف جمع البيانات لأي غرض كان، وإجبار المنصة على تعطيل التشغيل التلقائي افتراضيًا في حسابات الأطفال، إضافة إلى فرض عقوبات مالية قد تصل إلى 10 آلاف دولار عن كل انتهاك مثبت.
ومع اتساع النقاش العالمي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والإعلانات الموجهة للأطفال، تبدو القضية مرشحة لتتحول إلى واحدة من أبرز المواجهات القانونية بين الحكومات وشركات التكنولوجيا خلال المرحلة المقبلة.





