الجمعة 08 مايو 2026 الموافق 21 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

فضيحة دولية.. شحنات قمح أوكرانية مسروقة تصل إلى موانئ إسرائيل

الرئيس نيوز

في البحر الأسود، بعيدًا عن الأضواء والممرات التجارية المعتادة، تتحرك سفن بشكل يثير الشبهات، أما أجهزة التتبع فتُغلق فجأة، وأما عمليات نقل البضائع فتتم في عرض البحر ليلًا، بينما تنتقل شحنات ضخمة من القمح بين سفن مختلفة قبل أن تواصل رحلتها نحو موانئ في الشرق الأوسط. 

ما بدا لسنوات مجرد تكهنات أو اتهامات سياسية تحوّل أخيرًا إلى قضية دولية متفجرة، بعد الكشف عن وصول شحنات من الحبوب الأوكرانية المسروقة إلى موانئ إسرائيلية، في ملف بات يهدد بتعقيد العلاقات بين إسرائيل وأوكرانيا وأوروبا بالتبعية بصورة غير مسبوقة، وفقًا لشبكة يورونيوز.

وكشفت الفضيحة في أعقاب تحقيق استقصائي موسّع نشرته صحيفة هآرتس، أكد أن أربع شحنات على الأقل من القمح الأوكراني القادم من الأراضي المحتلة وصلت إلى موانئ إسرائيلية خلال عام 2026 وحده، بينما كانت سفينة خامسة تقترب من خليج حيفا بانتظار السماح لها بالدخول إلى الميناء.

تحليل بيانات تتبع السفن وسجلات موانئ داخل الأراضي الأوكرانية

واعتمد التحقيق على تحليل بيانات تتبع السفن وصور أقمار صناعية وسجلات موانئ داخل الأراضي الأوكرانية الواقعة تحت الاحتلال، ووفقًا للبيانات التي جرى فحصها، فإن عمليات تهريب الحبوب لم تبدأ هذا العام فقط، بل تعود إلى سنوات سابقة، إذ أظهرت السجلات أن سفينتين على الأقل تحملان حبوبًا أوكرانية مسروقة وصلتا إلى إسرائيل بحلول عام 2023، وتم بالفعل تفريغ إحداهما داخل أحد الموانئ الإسرائيلية.

كما كشفت السجلات الخاصة بالموانئ الواقعة في المناطق المحتلة عن وجود أكثر من ثلاثين شحنة حبوب كانت إسرائيل مدرجة كوجهة نهائية لها، ما أثار تساؤلات واسعة بشأن مدى علم السلطات الإسرائيلية بمصدر تلك الشحنات.

لكن الطريقة التي تتم بها العمليات ساهمت في تضخيم حجم الشبهات، فالسفن لا تتوجه مباشرة من الموانئ أو المناطق المحتلة إلى إسرائيل، بل تنفذ عمليات نقل معقدة للبضائع في عرض البحر بالقرب من مضيق كيرتش. 

هناك، تقوم سفن صغيرة بنقل الحبوب من الموانئ الواقعة تحت السيطرة الروسية إلى سفن أكبر تعمل كصوامع عائمة، قبل أن تتابع رحلتها نحو البحر المتوسط.

إيقاف أجهزة التعرف التلقائي الخاصة بالسفن

وخلال تلك العمليات، يتم إيقاف أجهزة التعرف التلقائي الخاصة بالسفن، وهي التقنية المستخدمة عالميًا لتتبع حركة الملاحة البحرية، ما يجعل مراقبة مسار الشحنات أكثر صعوبة ويثير شكوكًا إضافية حول طبيعة العمليات.

ودخل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خط الأزمة بشكل مباشر، واتهم إسرائيل علنًا بالسماح باستقبال حبوب مسروقة رغم معرفتها بمصدرها، وقال إن هذه العمليات تنتهك حتى القوانين الإسرائيلية نفسها، مؤكدًا أن السلطات في تل أبيب لا يمكن أن تكون جاهلة بهوية السفن أو طبيعة الحمولات التي تدخل إلى موانئها.

وأكدت وزارة الخارجية الأوكرانية بدورها أن كييف استنفدت القنوات الدبلوماسية السرية قبل الانتقال إلى التصعيد العلني، مشيرة إلى أن أوكرانيا حذرت مرارًا من استمرار تدفق الحبوب المنهوبة من الأراضي المحتلة إلى الأسواق العالمية.

وجاء الرد الإسرائيلي حادًا ومتحفظًا في الوقت نفسه، إذ اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر زيلينسكي باللجوء إلى ما وصفه بـ"دبلوماسية مواقع التواصل"، معتبرًا أن أوكرانيا لم تقدم أدلة قانونية كافية أو طلبات رسمية واضحة في الوقت المناسب. وعندما تقدمت كييف لاحقًا بطلب رسمي لمصادرة إحدى السفن، رد ساعر بأن الحكومة الأوكرانية اختارت التصعيد الإعلامي قبل المسار القانوني.

سفينة تحمل قمح من أوكرانيا

أكثر السفن إثارة للجدل كانت السفينة "بانورميتيس"، التي طالبت أوكرانيا بتوقيفها فور وصولها إلى ميناء حيفا، وأكد المدعي العام الأوكراني روسلان كرافتشينكو أن السفينة تحمل قمحًا مصدره أراضٍ أوكرانية، وأن الشحنة جرى تحميلها عبر عمليات نقل بحرية سرية في عرض البحر، وطالبت كييف بتفتيش السفينة ومراجعة وثائقها وأخذ عينات من الحمولة واستجواب الطاقم.

في المقابل، نفت الشركة اليونانية المشغلة للسفينة أي علاقة لها بنقل حبوب مسروقة، وأكدت أن الشحنة قانونية بالكامل ولا تتضمن أي بضائع قادمة من الأراضي الأوكرانية المحتلة.

ولم تعد الأزمة محصورة بين أوكرانيا وإسرائيل فقط، بل امتدت إلى أوروبا أيضًا، إذ لوّح الاتحاد الأوروبي بإمكانية فرض عقوبات على أي جهات أو شركات أو أفراد يساهمون في نقل أو تجارة الحبوب الأوكرانية التي تعتبرها كييف مسروقة.

التحايل على العقوبات المفروضة على روسيا

وأكد مسؤولون أوروبيون أن بروكسل تراقب الملف عن كثب، ومستعدة لإدراج كيانات من دول ثالثة على قوائم العقوبات إذا ثبت تورطها في التحايل على العقوبات المفروضة على روسيا أو المساهمة في تمويل الحرب.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه العلاقات بين كييف وتل أبيب توترًا متزايدًا منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، فقد حافظت إسرائيل طوال السنوات الماضية على توازن حساس في علاقتها مع موسكو، ورفضت مرارًا مطالب أوكرانية بتزويدها بأسلحة متطورة أو الانخراط الكامل في المعسكر الغربي المناهض لروسيا.

وسط اندلاع المواجهات الأخيرة في الشرق الأوسط وتصاعد التوتر مع إيران، حاولت أوكرانيا تقديم نفسها كشريك أمني وسياسي للغرب في المنطقة، لكن قضية الحبوب المسروقة كشفت حجم التباينات العميقة بين الطرفين.

وتتجاوز القضية في جوهرها مجرد شحنات قمح أو نزاع تجاري، فهي بالنسبة لكييف تمثل اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لدول تقول إنها تدعم سيادة أوكرانيا، بينما تجد الحبوب التي تعتبرها أوكرانيا منهوبة طريقها بهدوء إلى موانئ تلك الدول، وفي عالم السياسة الدولية، قد تكون حركة سفينة واحدة كافية لإشعال أزمة دبلوماسية كاملة.