بعد استبعاد "الصحة العالمية" لجائحة جديدة.. كل ما تريد معرفته عن فيروس هانتا
في الأول من أبريل 2026 أبحرت سفينة الرحلات السياحية MV هونديوس من ميناء أوشوايا في أقصى جنوب الأرجنتين حاملة على متنها ركابًا من نحو ثلاث وعشرين جنسية مختلفة في رحلة استكشافية باتجاه القارة القطبية الجنوبية ومناطق نائية في جنوب المحيط الأطلسي.
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه الرحلة إلى واحدة من أكثر الحوادث الوبائية تعقيدا في قطاع الرحلات البحرية الحديثة بعد اكتشاف إصابات بفيروس هانتا بين الركاب ووفاة ثلاثة أشخاص لاحقًا، في واقعة غير مسبوقة على متن سفينة سياحية في التاريخ الحديث، بينما تعاملت معها منظمة الصحة العالمية باعتبارها حدثا نادرا لا يرقى إلى نمط انتشار وبائي عالمي تقليدي، وفقا لشبكة سي إن إن الأمريكية.
بداية قصة الفيروس
على متن السفينة كان يوجد 147 شخصًا بينهم 88 راكبًا و59 من أفراد الطاقم، ينتمون إلى 23 جنسية، من بينهم 17 مواطنًا أمريكيًا، حيث بدأت القصة الصحية مع راكب هولندي في السبعين من عمره ظهرت عليه أعراض حادة شملت الحمى والصداع وآلام البطن والإسهال، قبل أن تتطور حالته إلى ضائقة تنفسية انتهت بوفاته في الحادي عشر من أبريل على متن السفينة.
وبعد أيام، ظهرت أعراض مشابهة على زوجته البالغة 69 عاما أثناء مغادرتها السفينة، حيث نقلت لاحقا إلى مستشفى في جنوب أفريقيا وتوفيت هناك بعد تدهور سريع في حالتها التنفسية.
وفي تطور لاحق، سجلت وفاة ثالثة لامرأة ألمانية ظهرت عليها أعراض التهاب رئوي حاد على متن السفينة في الثاني من مايو، في وقت ما تزال فيه التحقيقات الطبية جارية لتأكيد الارتباط المباشر بالفيروس بشكل نهائي.
وامتدت تداعيات الحادثة إلى نطاق عالمي واسع نتيجة حركة الركاب بين القارات بعد مغادرتهم السفينة، حيث شملت عمليات التتبع أكثر من 82 راكبا على رحلة جوية عبر سانت هيلينا وجوهانسبرج، إضافة إلى ركاب آخرين انتقلوا إلى دول مختلفة في أوروبا والأمريكتين وآسيا، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وكندا وسنغافورة، وسط حالة استنفار صحي في عدة ولايات أمريكية مثل جورجيا وأريزونا وكاليفورنيا وتكساس وفيرجينيا لمراقبة أي أعراض محتملة بين العائدين.
كما دخلت شركات طيران دولية في دائرة التتبع بعد تسجيل حالات ركاب محتملين كانوا على تماس مباشر مع المصابين خلال الرحلات الجوية اللاحقة.
وغادرت السفينة أوشوايا في الأول من أبريل في مسار طويل شمل محطات في مناطق بيئية نائية مثل القارة القطبية الجنوبية وجورجيا الجنوبية وجزيرة تريستان دا كونها وسانت هيلينا وجزيرة أسينشن، حيث بدأت الأعراض بالظهور تدريجيا بين السادس والثامن والعشرين من أبريل، في صورة حمى واضطرابات هضمية تلتها حالات التهاب رئوي حاد وفشل تنفسي في بعض الحالات، وفقا لتقارير طبية أولية نشرتها جهات صحية دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية.
وتشير البيانات الأولية إلى أن الزوجين الهولنديين كانا قد شاركا في رحلة ممتدة لمراقبة الطيور عبر أمريكا الجنوبية قبل صعودهما إلى السفينة، وزارا خلالها مناطق معروفة بوجود قوارض حاملة لفيروس هانتا.
فيروس نادر وخطير
أما فيروس هانتا نفسه ليس جديدا على العلم، لكنه يظل من الفيروسات النادرة والخطيرة في بعض أشكاله، حيث ينتقل إلى البشر عبر التعرض لإفرازات القوارض المصابة مثل البول والبراز واللعاب، والتي تتحول إلى جزيئات هوائية دقيقة يمكن استنشاقها في البيئات المغلقة أو الملوثة.
ويضم الفيروس أكثر من أربعين سلالة موزعة بين العالم القديم في أوروبا وآسيا، والتي قد تسبب نزيفا حادا ومشكلات كلوية، والعالم الجديد في الأمريكتين حيث ترتبط بعض السلالات بمتلازمة رئوية شديدة قد تؤدي إلى فشل تنفسي حاد.
وتشير تقديرات صحية دولية إلى تسجيل آلاف الإصابات سنويا عالميا، مع تفاوت كبير بين المناطق، حيث تسجل دول أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين والبرازيل وتشيلي النسبة الأعلى من الحالات، بينما تبقى الأرقام في الولايات المتحدة محدودة نسبيا.
المتلازمة الرئوية الناتجة عن هانتا
وتبلغ خطورة الفيروس ذروتها في حال تطور الحالة إلى المتلازمة الرئوية الناتجة عن هانتا، حيث قد يصل معدل الوفيات إلى نحو 40 في المئة في الحالات الشديدة، وهو ما يجعله من أخطر الفيروسات التنفسية المعروفة في بعض السيناريوهات السريرية.
ورغم ذلك، لا يوجد حتى اليوم لقاح معتمد أو علاج نوعي مباشر، ويقتصر التدخل الطبي على الرعاية الداعمة داخل وحدات العناية المركزة، وهو ما يزيد من حساسية أي تفشٍ محتمل داخل بيئات مغلقة مثل السفن السياحية.
وما يميز هذه الحادثة تحديدًا هو الاشتباه في سلالة الأنديز من فيروس هانتا، وهي السلالة الوحيدة المعروفة التي يُعتقد أنها قادرة في ظروف معينة على الانتقال من إنسان إلى آخر، خلافا لبقية السلالات التي تعتمد بشكل شبه كامل على القوارض كناقل أساسي.
وارتبطت هذه السلالة في السابق بتفشيات محدودة في أمريكا الجنوبية، من بينها حادثة في الأرجنتين بين عامي 2018 و2019، حيث أدى انتقال العدوى بين البشر في تجمعات اجتماعية إلى عشرات الإصابات وعشرات الوفيات، وفقا لتحليلات وبائية موثقة في دراسات أكاديمية ومصادر إعلامية طبية.
معدل انتقال فيروس الأنديز بين البشر يظل منخفضًا
ورغم هذا القلق العلمي، تؤكد البيانات الوبائية أن معدل انتقال فيروس الأنديز بين البشر يظل منخفضا نسبيا مقارنة بالفيروسات التنفسية الأخرى، وأن انتشار العدوى يتطلب ظروفا اجتماعية وصحية محددة، مما يحد من قدرته على التحول إلى وباء واسع النطاق. ومع ذلك، فإن ظهور حالات متعددة في بيئة مغلقة ومتحركة مثل سفينة سياحية يعقد عمليات التتبع والسيطرة ويضاعف من أهمية التدخل المبكر.
وامتدت آثار الحادثة إلى قارات عدة نتيجة تنقل الركاب، حيث سجلت حالات مراقبة في دول أوروبية مثل سويسرا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى حالات عزل احترازي في كندا وسنغافورة، مع استمرار المتابعة الصحية لعدد من الركاب الذين لم تظهر عليهم أعراض حتى الآن.
كما دخلت شركات الطيران في عمليات تتبع دقيقة لركاب رحلات مرتبطة بالحالة، في وقت تتعامل فيه السلطات الصحية مع ملف معقد يتقاطع فيه السفر الدولي مع الأمراض النادرة.
الوضع لا يعكس بداية وباء عالمي شبيه بكوفيد
في هذا السياق، شددت منظمة الصحة العالمية على أن الوضع لا يعكس بداية وباء عالمي شبيه بكوفيد، مؤكدة أن أنماط انتقال فيروس هانتا تختلف جذريا عن الفيروسات التنفسية عالية العدوى، وأن قدرته على الانتشار بين البشر محدودة بطبيعته البيولوجية، غير أن المنظمة حذرت في الوقت نفسه من خطورة الحالات النادرة عندما تقع في بيئات مغلقة ذات حركة دولية كثيفة، مثل السفن السياحية أو الرحلات الجوية الطويلة، حيث يمكن أن تتحول حالة فردية إلى سلسلة تتبع عالمية معقدة.
وبينما تستمر عمليات التتبع والتحقيق الطبي، تبقى السفينة في قلب الأطلسي رمزا لحادثة تجمع بين العلم والصدفة والانتقال العالمي السريع، حيث تكشف هذه الواقعة كيف يمكن لفيروس نادر أن يخلق شبكة معقدة من القلق الصحي تمتد عبر القارات دون أن يتحول بالضرورة إلى وباء شامل، لكنه يفرض على الأنظمة الصحية العالمية اختبارا حقيقيا لقدرتها على الاستجابة السريعة في عصر السفر الكثيف والعولمة المتصلة.





