الخميس 07 مايو 2026 الموافق 20 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

النينيو العملاق يقترب.. علماء المناخ يحذرون من اضطرابات تعيد رسم خريطة الكوارث العالمية

الرئيس نيوز

تبدو سنة 2026 وكأنها تدخل مرحلة مناخية حرجة جديدة، مع تزايد المؤشرات على تشكل ظاهرة النينيو في المحيط الهادئ بقوة غير معتادة، قد ترتقي بها إلى واحدة من أكثر النسخ تطرفًا في التاريخ الحديث، فالتحذيرات الصادرة عن مراكز أرصاد دولية وعلماء مناخ بارزين لم تعد تتحدث عن تقلبات موسمية عادية، بل عن نظام مناخي قادر على إعادة توزيع الجفاف والفيضانات والحرارة على نطاق عالمي، بما قد يضع الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي في دائرة الخطر، وكأن الأزمات التي يمر بها العالم المعاصر لا تكفي.

نماذج مناخية تنذر بتطرف غير مسبوق

تشير أحدث النماذج المناخية الصادرة عن مراكز رصد أوروبية ودولية إلى احتمال ارتفاع غير طبيعي في حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، قد يصل إلى نحو 3 درجات مئوية فوق المعدلات المعتادة مع نهاية العام. هذا المستوى من الاحترار يُصنَّف علميًا ضمن الفئات القوية جدًا من النينيو، وهي الفئات التي ارتبطت تاريخيًا باضطرابات مناخية واسعة النطاق حول العالم، وفقًا لصحيفة واشنطن بوست.

ووفقًا للتحليلات المناخية المقارنة، فإن بعض السيناريوهات الحالية تضع الظاهرة المحتملة في نطاق الأحداث الكبرى تاريخيًا، مثل نينيو أواخر القرن التاسع عشر، الذي ارتبط بسلسلة من الأزمات المناخية والغذائية الحادة في عدة قارات، في فترة لم تكن فيها أنظمة الإنذار المبكر أو البنية التحتية قادرة على التكيف مع الصدمات المناخية.

سلوك ظاهرة النينيو.. ولماذا تربك العالم؟

ظاهرة النينيو ليست حدثًا محليًا في المحيط الهادئ، بل هي اضطراب في النظام المناخي العالمي يبدأ من تغير درجات حرارة سطح البحر، ثم يمتد تأثيره عبر الغلاف الجوي ليعيد تشكيل أنماط الرياح الموسمية والتيارات الهوائية، عندما تتغير حرارة المحيط في منطقة محددة، يتأثر توزيع الضغط الجوي، ما يؤدي إلى اضطراب في حركة الأمطار والرياح عبر القارات، والنتيجة ليست نمطًا واحدًا من الطقس، بل شبكة معقدة من التأثيرات المتناقضة: جفاف حاد في بعض المناطق، مقابل فيضانات مدمرة في مناطق أخرى، وفقًا لشبكة سي إن إن الإخبارية.

خريطة عالمية للكوارث المحتملة

تشير التوقعات المناخية إلى أن تأثيرات النينيو المرتقب قد تمتد إلى معظم القارات، ولكن بدرجات متفاوتة، ففي أستراليا يرتفع خطر الجفاف وحرائق الغابات بشكل كبير مع تراجع معدلات الأمطار، وفي أمريكا الجنوبية، تتأثر مناطق واسعة من بيرو والبرازيل بانهيار في أنماط الهطول الطبيعي، ما يهدد الزراعة والغابات المطيرة.

أما في أفريقيا، فإن مناطق القرن الأفريقي وجنوب القارة تواجه احتمالات مرتفعة لتقلبات حادة بين الجفاف والفيضانات، وهو ما يضع أنظمة الغذاء الهشة بالفعل تحت ضغط إضافي، وفي آسيا، تتأرجح المخاطر بين فيضانات مدمرة في بعض المناطق ومواسم جفاف في مناطق أخرى تعتمد بشكل كبير على الرياح الموسمية.

الولايات المتحدة في قلب العاصفة المناخية

في الولايات المتحدة، تتوقع النماذج المناخية صيفًا مضطربًا يجمع بين موجات حر شديدة وعواصف عنيفة وفيضانات مفاجئة. تبدو الولايات الغربية والشمالية الغربية الأكثر عرضة لحرائق الغابات، مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الرطوبة، بينما تواجه مناطق أخرى خطر العواصف الرعدية والفيضانات السريعة.

هذا النمط المركب من المخاطر يجعل التخطيط للطوارئ أكثر تعقيدًا، إذ لا يتعلق الأمر بحدث مناخي واحد، بل بسلسلة من الأحداث المتداخلة التي قد تقع في أوقات متقاربة، وفقًا لصحيفة أكيو ويذر.

التهديد الأكبر.. الأمن الغذائي العالمي

ما يقلق المؤسسات الدولية ليس فقط شدة الظواهر المناخية، بل انعكاساتها المباشرة على الأمن الغذائي العالمي، فالنظام الزراعي العالمي يعتمد بشكل كبير على استقرار المناخ، وأي اضطراب واسع في الأمطار أو درجات الحرارة يؤدي مباشرة إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء.

وتحذر تقارير اقتصادية وإنسانية من أن العالم قد يواجه موجة جديدة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت لا تزال فيه سلاسل الإمداد متأثرة بتقلبات جيوسياسية واقتصادية سابقة.

وتشير تقديرات إلى أن بعض الدول الأكثر هشاشة، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء، ستكون الأكثر تضررًا من تداخل الجفاف مع ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.

وتضيف هذه التحذيرات بعدًا إضافيًا من القلق، إذ لم تعد أزمة الغذاء مرتبطة فقط بالإنتاج الزراعي، بل أصبحت تتأثر أيضًا بأسعار الطاقة والنقل والأسمدة، التي ترتبط بدورها بتقلبات الأسواق العالمية والصراعات الجيوسياسية.

ذاكرة 1877.. عندما غيّر المناخ التاريخ

يستحضر العلماء عند الحديث عن النينيو القوي تجربة عام 1877، حين أدى اضطراب مناخي شديد إلى انهيار واسع في أنماط الأمطار الموسمية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. كانت النتيجة موجات جفاف ومجاعات أودت بحياة عشرات الملايين، في واحدة من أكثر الكوارث المناخية قسوة في التاريخ الحديث.

ورغم اختلاف السياق العالمي اليوم، فإن القلق يكمن في أن العالم الحديث أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، ما يعني أن أي اضطراب مناخي واسع يمكن أن ينتقل تأثيره بسرعة عبر الاقتصاد العالمي وأسواق الغذاء والطاقة.

سباق مع الزمن

ما يزيد من خطورة الوضع أن تطور الظاهرة يبدو أسرع من المتوسط التاريخي، حيث يشير العلماء إلى انتقال سريع من ظروف باردة نسبيًا إلى مرحلة احترار واضح في المحيط الهادئ، وهذا التسارع يقلل من الوقت المتاح أمام الحكومات والمؤسسات الدولية للاستعداد، ويضع أنظمة الإنذار المبكر أمام اختبار صعب.

وبينما ترجح التوقعات وصول الظاهرة إلى ذروتها بين أواخر 2026 وبداية 2027، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد حجم التأثيرات المحتملة، ومدى قدرة العالم على تقليل الخسائر قبل أن تتحول التحذيرات العلمية إلى واقع مناخي أكثر قسوة يطال معظم مناطق الكوكب.