الخميس 07 مايو 2026 الموافق 20 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الختان في أوروبا يثير أزمة جديدة..عاصفة سياسية غير مسبوقة بين بلجيكا وإسرائيل وأمريكا تتدخل

الرئيس نيوز

تحولت قضية دينية تتداخل مع الاعتبارات الطبية والقانونية داخل بلجيكا إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما فجرت ملاحقة قضائية لثلاثة رجال دين يهود عاصفة سياسية غير مسبوقة، وسط اتهامات أمريكية مباشرة لبروكسل بـ"معاداة السامية" بسبب التعامل مع طقوس الختان اليهودية التقليدية.

تنفيذ عمليات ختان ديني دون امتلاك تراخيص طبية رسمية

بدأت القضية عندما وجهت النيابة العامة البلجيكية اتهامات جنائية إلى ثلاثة مختنين يهود في مدينة أنتويرب، على خلفية تنفيذ عمليات ختان ديني دون امتلاك تراخيص طبية رسمية، في خطوة اعتبرتها واشنطن استهدافا مباشرا لحرية ممارسة الشعائر الدينية اليهودية. وسرعان ما تصاعد الجدل بعد تدخل السفير الأمريكي لدى بلجيكا، بيل وايت، الذي هاجم السلطات البلجيكية علنا، واصفا القضية بأنها "وصمة عار" على بلجيكا، معتبرا أن ما يحدث يحمل أبعادا معادية للسامية، وفقا لصحيفة واشنطن تايمز.

 تسوية مع الجالية اليهودية

وفي منشور أثار ضجة واسعة عبر منصة إكس، قال السفير الأمريكي إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدين الإجراءات القضائية البلجيكية، كما انتقد ما وصفه بفشل الحكومة البلجيكية في إيجاد تسوية مع الجالية اليهودية. التصريحات الأمريكية الحادة اعتبرت في بروكسل تجاوزا للأعراف الدبلوماسية وتدخلا مباشرا في عمل القضاء البلجيكي المستقل.

تعود جذور القضية إلى تحقيقات بدأت العام الماضي، عندما نفذت السلطات البلجيكية مداهمات في عدة مواقع داخل الحي اليهودي بمدينة أنتويرب، شملت أماكن تستخدم لإجراء طقوس الختان الديني. وخلال العمليات، صادرت الشرطة أدوات خاصة بالشعائر واحتجزت الرجال الثلاثة قبل الإفراج عنهم لاحقا مع منعهم من مواصلة النشاط لحين انتهاء التحقيقات، مستندة إلى أدلة دامغة على ارتكاب فعل الإيذاء الجسدي عمدا مع سبق الإصرار.

المفارقة اللافتة أن التحقيق لم ينطلق نتيجة حملة حكومية ضد الطائفة اليهودية، بل إثر شكوى تقدم بها أحد أبناء المجتمع اليهودي نفسه ضد بعض المختنين المنتمين إلى تيار ديني أرثوذكسي متشدد. هذه النقطة تحديدا استخدمتها الحكومة البلجيكية للدفاع عن نفسها في مواجهة الاتهامات الأمريكية والإسرائيلية، مؤكدة أن القضية ذات طابع قانوني وصحي وليست استهدافا دينيا.

ثغرة قانونية معقدة داخل التشريعات البلجيكية

تدور الأزمة حول ثغرة قانونية معقدة داخل التشريعات البلجيكية، إذ تشترط القوانين أن تتم أي إجراءات طبية على يد أطباء مرخصين، لكنها لا تتضمن نصا واضحا ينظم الختان الديني للذكور. هذا الغموض القانوني وضع المختنين التقليديين في منطقة رمادية بين الحرية الدينية ومتطلبات القانون، وفقا لصحيفة تايمز أوف إسرائيل.

لكن الرد البلجيكي جاء سريعا وحادا. فقد استدعت وزارة الخارجية البلجيكية السفير الأمريكي احتجاجا على تصريحاته، في خطوة نادرة بين حليفين غربيين. وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إن وصف بلجيكا بأنها دولة معادية للسامية يمثل "معلومات مضللة خطيرة"  تضر بالجهود الحقيقية لمكافحة الكراهية والتطرف، مؤكدا أن استقلال القضاء البلجيكي يجب أن يحظى بالاحترام الكامل.

وذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن الأزمة ازدادت سخونة بعد دخول إسرائيل على الخط، إذ أدان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الملاحقات القضائية، معتبرا أن بلجيكا باتت ضمن «قائمة قصيرة ومخزية» من الدول التي تستخدم القانون الجنائي ضد اليهود بسبب ممارساتهم الدينية. وشدد على أن الختان يمثل ركنا أساسيا في العقيدة اليهودية منذ آلاف السنين.

في المقابل، حاول رئيس الوزراء البلجيكي بارت دو فيفر تهدئة التصعيد، مؤكدا أن القوانين الصحية في بلاده تطبق على الجميع دون استثناء، وأن الحكومة لا تستهدف أي جماعة دينية بعينها. لكن ذلك لم يمنع القضية من التحول إلى اختبار سياسي حساس يتعلق بالتوازن بين حرية المعتقد وسلطة الدولة في تنظيم الإجراءات الطبية.

 نقاشات أوروبية أوسع حول الختان الديني

تأتي هذه المواجهة ضمن نقاشات أوروبية أوسع حول الختان الديني. ففي السنوات الماضية شهدت عدة دول أوروبية جدلا مشابها، إذ اعتقلت السلطات الإيرلندية عام 2024 حاخاما بريطانيا بسبب إجراء عمليات ختان دون مؤهلات طبية، بينما اختارت ألمانيا منذ عام 2012 تسوية الملف عبر تشريع واضح يسمح للمختنين الدينيين بممارسة الشعيرة بصورة قانونية. أما المملكة المتحدة، فتملك نظاما تنظيميا قديما للمختنين اليهود يعود تاريخه إلى نحو ثلاثة قرون.

ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز أبعادها القانونية لتكشف عن تحولات أعمق في شكل الدبلوماسية الأمريكية خلال ولاية ترامب الجديدة، حيث بات السفراء الأمريكيون أكثر ميلا للتدخل العلني والضغط السياسي المباشر في الملفات الداخلية للدول الحليفة، خصوصا تلك المرتبطة بقضايا الهوية والدين والحريات. وفي ظل غياب تشريع بلجيكي حاسم ينظم الختان الديني، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي والقضائي خلال الفترة المقبلة.