الخميس 07 مايو 2026 الموافق 20 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

إثيوبيا على كف عفريت.. هل تعود حرب تيجراي من جديد؟

الرئيس نيوز

لم تكد إثيوبيا تلتقط أنفاسها من واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا خلال العقود الأخيرة، حتى بدأت مؤشرات الانفجار تعود مجددا إلى إقليم تيجراي، في مشهد يعيد إلى الأذهان الأيام السوداء التي سبقت حرب 2020. وبينما تتصاعد التحذيرات من انزلاق إثيوبيا نحو مواجهة دامية جديدة، تتزايد الانتقادات لما يعتبره مراقبون فشلا للدبلوماسية الغربية في تثبيت السلام، الأمر الذي سمح للأزمة بالتفاقم مجددا بدلا من احتوائها، وفقا لموقع رفيوجيز إنترناشيونال المتخصص في شؤون اللاجئين.

 ارتفاع حدة التوتر بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وسلطات تيجراي

ومنذ مطلع عام 2026، بدأت ملامح التصعيد تظهر بوضوح في شمال إثيوبيا، مع ارتفاع حدة التوتر بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وسلطات تيجراي، بالتزامن مع اشتباكات متفرقة وتحركات عسكرية أعادت أجواء القلق إلى الإقليم المنهك. ودفعت المواجهات الأخيرة السلطات الإثيوبية إلى تعليق الرحلات الجوية نحو تيجراي، بينما شهدت الحافلات المتجهة إلى العاصمة اكتظاظا بمواطنين مذعورين سارعوا إلى مغادرة المنطقة وسحب مدخراتهم من البنوك خوفا من انهيار أمني جديد.

 عودة التوتر السياسي والانقسامات الداخلية

وتشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن الظروف الحالية باتت تشبه بصورة خطيرة المقدمات التي قادت إلى الحرب السابقة، خصوصا مع عودة التوتر السياسي والانقسامات الداخلية وتراجع الثقة بين الأطراف. 

وتحذر الباحثة سارة ميلر من منظمة رفيوجيز إنترناشيونال من أن تيجراي أصبحت قريبة للغاية من حرب جديدة قد لا تبقى محصورة داخل حدود الإقليم، بل تمتد آثارها إلى القرن الأفريقي بأكمله.

تكمن جذور الأزمة الراهنة في التآكل التدريجي لاتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، والذي أنهى رسميا حرب تيجراي بين 2020 و2022. فعلى الرغم من وقف إطلاق النار، بقيت ملفات جوهرية معلقة دون تنفيذ، أبرزها انسحاب القوات الإريترية وقوات أمهرة من المناطق المتنازع عليها، إضافة إلى غياب أي آلية حقيقية للمحاسبة عن الجرائم والانتهاكات الواسعة التي شهدها النزاع. كما تعمقت الانقسامات داخل قيادة تيجراي نفسها، بين جناح يميل للتقارب مع أديس أبابا وآخر يحافظ على روابط وثيقة مع إريتريا.

تعقيد الحسابات الإقليمية المحيطة بالنزاع

لكن خطورة المشهد الحالي لا تكمن فقط في احتمالات الحرب، بل في تعقيد الحسابات الإقليمية المحيطة بالنزاع. فالصراع لم يعد إثيوبيا داخليا بحتا، بل تحول تدريجيا إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي متشابك. وتشير تقارير إلى أن التحالف الذي جمع إثيوبيا وإريتريا خلال الحرب السابقة انهار بالكامل، بعدما أصبحت كل دولة تدعم فصيلا مختلفا داخل تيجراي، ما يزيد احتمالات الانفجار العسكري الواسع.

وتزداد الصورة تعقيدا مع دخول قوى إقليمية أخرى على الخط. فبحسب تقديرات مراكز أبحاث ومنظمات دولية، تدعم بعض الأطراف الإقليمية الحكومة الإثيوبية، بينما تميل أطراف أخرى إلى دعم إريتريا، ما يثير مخاوف من تحول تيجراي إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. كما يتداخل الملف مع الحرب السودانية، حيث تتهم الخرطوم أديس أبابا بالسماح باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية عابرة للحدود مرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما تتهم إثيوبيا الجيش السوداني بدعم مجموعات متمردة في شمال تيجراي.

انتقادات حادة للدور الغربي في إدارة الأزمة الإثيوبية

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، بدأت تتصاعد انتقادات حادة للدور الغربي في إدارة الأزمة الإثيوبية، ويرى محللون أن الولايات المتحدة وبريطانيا تكرران في إثيوبيا النموذج ذاته الذي استخدم سابقا في البوسنة وجنوب السودان وليبيا، عبر التركيز على وقف إطلاق النار وخفض العنف مؤقتا دون معالجة الأسباب العميقة للصراع.

ويشير مراقبون إلى أن اتفاق بريتوريا نجح في إسكات البنادق مؤقتا، لكنه فشل في حل النزاعات الجوهرية المتعلقة بالسلطة والحدود ونزع السلاح، ما جعل الحرب تتوقف دون أن تنتهي فعليا، وفقا لصحيفة بوركينا المتخصصة في الشؤون الأفريقية.

ويستشهد منتقدو الدبلوماسية الغربية بتجربة اتفاق دايتون في البوسنة عام 1995، الذي أنهى الحرب لكنه خلق نظاما سياسيا معقدا وعاجزا عن معالجة جذور الأزمة، لتستمر التوترات لعقود لاحقة. وبحسب هذه الرؤية، فإن الغرب يكرر الخطأ نفسه في إثيوبيا عبر التعامل مع الفصائل المسلحة باعتبارها كيانات موحدة يمكن جمعها على طاولة تفاوض واحدة، رغم أن الواقع أكثر تعقيدا بكثير.

وتجدر الإشارة إلى أن حركة فانو المسلحة في أمهرة ليست تنظيما واحدا، بل شبكة من المليشيات المتعددة ذات المصالح المختلفة، كما أن جيش تحرير أورومو يعاني بدوره انقسامات داخلية عميقة. ويرى محللون أن أي اتفاق لا يأخذ هذه التشظيات بعين الاعتبار سيبقى هشا وقابلا للانهيار بمجرد تغير موازين القوى على الأرض.

احتمال الانزلاق إلى مواجهة واسعة

ورغم أن جميع الأطراف تدرك الكلفة الهائلة لأي حرب جديدة، فإن المخاوف تتزايد من احتمال الانزلاق إلى مواجهة واسعة نتيجة سوء التقدير أو الاحتكاكات غير المحسوبة، لا بسبب قرار سياسي مباشر بالحرب. ويحذر محللون من أن إثيوبيا قد تجد نفسها مدفوعة تدريجيا نحو مواجهة عسكرية جديدة مع إريتريا أو مع الفصائل المسلحة داخل تيجراي، رغم التصريحات الرسمية التي تنفي وجود نية للحرب، وفقا لخبراء مجموعة الأزمات.

ولفهم حجم الكارثة المحتملة، يكفي استحضار أرقام الحرب السابقة. فقد قتل ما يقدر بنحو 600 ألف شخص خلال نزاع تيجراي بين 2020 و2022، في واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين. وتشير تقديرات إلى أن حصيلة الضحايا تجاوزت أعداد قتلى المجاعة الإثيوبية الشهيرة في الثمانينيات، بل وتفوقت على العديد من النزاعات الحديثة حول العالم. ومع ذلك، لم تتحقق أي مساءلة جدية عن الانتهاكات التي شملت القتل الجماعي والعنف الجنسي والحصار الإنساني.

 عدد النازحين داخليا في إثيوبيا 

أما الوضع الإنساني الحالي، فيبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، بلغ عدد النازحين داخليا في إثيوبيا نحو 3.3 مليون شخص بحلول منتصف 2025، بينما يعيش مئات الآلاف داخل مخيمات تفتقر إلى الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الأساسية. وتشير دراسات ميدانية مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن بعض مناطق تيجراي تشهد معدلات سوء تغذية حادة تصل إلى 62% بين الأطفال دون سن الخامسة، وسط انتشار الكوليرا وأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة لو توفرت الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذر منظمات إغاثية من أن تقليص التمويل الأمريكي والدولي خلال عام 2025 جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع تصاعد التوترات العسكرية، ما فاقم من هشاشة الوضع الإنساني. كما تحدثت تقارير عن عودة مخاوف النساء من استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، مع طلب مجموعات نسائية تجهيزات طوارئ ووسائل حماية تحسبا لانفجار الأوضاع مجددا.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تتزايد الدعوات داخل الأوساط البحثية والحقوقية لإعادة صياغة المقاربة الدولية تجاه إثيوبيا، بحيث لا تقتصر على إدارة هدنة مؤقتة، بل تشمل بناء مؤسسات قادرة على معالجة النزاعات العرقية والسياسية المزمنة، وإشراك المجتمعات المحلية والقوى المدنية في أي عملية سلام مستقبلية، بدلا من الاقتصار على النخب المسلحة وحدها.