هوت دوج وكولا مقابل 2 مليون دولار.. مزاح إنفانتينو يشعل غضب جماهير الكرة ويعمق أزمة الثقة مع الفيفا
تحولت مزحة أطلقها جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، إلى عاصفة جديدة من الانتقادات والغضب الجماهيري، بعدما بدا أن الرجل الأكثر نفوذا في عالم كرة القدم يتعامل بخفة مع أزمة أسعار تذاكر كأس العالم 2026، التي يعتبرها كثيرون دليلا صارخا على ابتعاد اللعبة الشعبية الأولى عن جماهيرها التقليدية وتحولها تدريجيا إلى منتج فاخر موجه للأثرياء وكبار المستثمرين، وفقا لصحيفة صنداي جارديان البريطانية.
بيع بعض تذاكر نهائي كأس العالم 2026 بأكثر من مليوني دولار
وخلال مشاركته في مؤتمر معهد ميلكن بمدينة بيفرلي هيلز الأمريكية، سئل إنفانتينو عن التقارير التي تحدثت عن بيع بعض تذاكر نهائي كأس العالم 2026 بأكثر من مليوني دولار، ليرد بنبرة ساخرة قائلا إنه سيحرص شخصيا على تقديم وجبة هوت دوج وكوكاكولا لأي شخص يدفع هذا المبلغ، حتى يضمن له تجربة لا تنسى في النهائي. التصريح الذي ربما أراده رئيس الفيفا خفيف الظل تحول سريعا إلى مادة غضب وسخرية واسعة على مواقع التواصل، حيث رأى كثيرون أنه يكشف انفصالا واضحا بين إدارة كرة القدم العالمية والجمهور الحقيقي للعبة.
عروض لبيع أربع تذاكر للنهائي بأسعار 2.3 مليون دولار
ولم تأت موجة الغضب من فراغ، إذ تعكس الأرقام بالفعل تحولا غير مسبوق في تكلفة حضور البطولة الأكبر في عالم كرة القدم. ففي نهائي كأس العالم بقطر عام 2022، بلغ السعر الرسمي لأغلى تذكرة نحو 1600 دولار فقط، بينما قفز السعر الرسمي المقابل لنهائي مونديال 2026 إلى ما يقرب من 11 ألف دولار قبل احتساب أسعار إعادة البيع. أما على منصة إعادة البيع الرسمية التابعة للفيفا، فقد ظهرت بالفعل عروض لبيع أربع تذاكر للنهائي بأسعار قاربت 2.3 مليون دولار للتذكرة الواحدة، في مشهد اعتبره مشجعون ونقاد تجسيدا لتحول البطولة من حدث شعبي عالمي إلى مساحة نخبوية مغلقة تقتصر على من يملك ثمن تذاكر دخول المباريات.
زاد الجدل اشتعالا بعدما كشفت تقارير أن الفيفا يحصل على عمولة تصل إلى 30% من عمليات إعادة بيع التذاكر عبر منصته الرسمية، وهو ما دفع المنتقدين إلى اتهام الاتحاد الدولي بالاستفادة المباشرة من المضاربات الجنونية التي يشكو منها المشجعون. ويرى معارضو سياسة الفيفا أن المنظمة لم تعد تكتفي بتنظيم البطولة، بل أصبحت شريكا فعليا في اقتصاد المضاربة الذي يحول المشجعين إلى مجرد مصدر أرباح إضافية، وفقا لصحيفة سبورتس إلستريتد.
الفيفا لا يستطيع تجاهل طبيعة السوق الأمريكية
وفي محاولة للدفاع عن سياسة التسعير، قال إنفانتينو إن الفيفا لا يستطيع تجاهل طبيعة السوق الأمريكية التي تسمح بإعادة بيع التذاكر بحرية وبأي أسعار يحددها العرض والطلب، مؤكدا أن بيع التذاكر بأسعار منخفضة كان سيؤدي في النهاية إلى إعادة بيعها بأرقام أعلى بكثير في السوق الثانوية.
وأضاف أن الطلب على البطولة المقبلة غير مسبوق في تاريخ كأس العالم، مشيرا إلى أن الفيفا تلقى أكثر من 500 مليون طلب للحصول على التذاكر، وهو رقم يفوق بعشرة أضعاف إجمالي الطلب على نسختي روسيا 2018 وقطر 2022 مجتمعتين.
أسعار التذاكر
لكن هذه الرواية الرسمية تواجه تشكيكا واسعا، خصوصا مع ظهور مؤشرات على أن بعض المباريات لا تشهد الإقبال المتوقع. فحتى مباراة الافتتاح الخاصة بالمنتخب الأمريكي أمام باراغواي ما تزال تحتوي على آلاف المقاعد المتاحة، رغم أن أسعار التذاكر تبدأ من أكثر من ألف دولار وتصل إلى أكثر من أربعة آلاف دولار للمقاعد الأفضل. ويرى منتقدون أن الفيفا يحاول تسويق صورة عن طلب جماهيري هائل لتبرير الأسعار المرتفعة، بينما تكشف السوق الفعلية أن كثيرا من الجماهير العادية ببساطة لم تعد قادرة على تحمل تكلفة حضور المباريات.
بينما يتحدث الفيفا بلغة السوق والأرباح، جاءت تصريحات مدرب مانشستر سيتي بيب جوارديولا لتعبر عن شعور شريحة واسعة من عشاق اللعبة. فقد استعاد المدرب الإسباني صورة كأس العالم القديمة باعتبارها مهرجانا شعبيا مفتوحا للجميع، قائلا إن الجماهير كانت تسافر من مختلف أنحاء العالم لمتابعة منتخباتها بأسعار معقولة، قبل أن تتحول كرة القدم الحديثة إلى نشاط شديد الكلفة لا يستطيع كثيرون تحمله. كلمات جوارديولا بدت بالنسبة لكثير من المشجعين أكثر صدقا وقربا من واقعهم مقارنة بخطاب الفيفا الرسمي.
حملة قوية ضد سياسات الفيفا
ولم يتوقف الغضب عند حدود مواقع التواصل أو التصريحات الإعلامية، بل انتقل إلى مسار قانوني وسياسي. فقد شنت منظمة فوتبول سابورترز يوروب، التي تمثل جماهير كرة القدم الأوروبية، حملة قوية ضد سياسات الفيفا، ووصفت منظومة التسعير الحالية بأنها ابتزازية وتمثل خيانة للجماهير التي صنعت شعبية اللعبة لعقود. كما رفعت المنظمة دعوى أمام المفوضية الأوروبية احتجاجا على ما اعتبرته أسعارا مفرطة وغير عادلة تهدد بتحويل كأس العالم إلى حدث مغلق أمام الطبقات المتوسطة والعاملة.
تحاول الفيفا امتصاص جزء من الغضب عبر تخصيص عدد محدود من التذاكر منخفضة السعر، وصلت في بعض الحالات إلى 60 دولارا فقط، لكن هذه المبادرات اعتبرت رمزية أكثر منها حقيقية، نظرا لضآلة عددها مقارنة بالطلب الضخم، إضافة إلى أن أغلبها يقع في المقاعد البعيدة بأعلى المدرجات.
وتعكس الأزمة الحالية تحولا أعمق في فلسفة إدارة كرة القدم العالمية. فالبطولات الكبرى لم تعد تدار فقط باعتبارها مناسبات رياضية وثقافية، بل أصبحت مشاريع اقتصادية عملاقة تستهدف تعظيم الإيرادات وجذب الرعاة وكبار المستثمرين والسياحة الفاخرة، حتى لو جاء ذلك على حساب الجماهير التقليدية التي منحت اللعبة قيمتها الشعبية والتاريخية.