الجمعة 27 مارس 2026 الموافق 08 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

من الشرق الأوسط إلى أفريقيا.. اتساع رقعة الصراع وإعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية

الرئيس نيوز

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، محصورة في حدود الشرق الأوسط الجغرافية. 

وتشير منصة "ديكود 39"، ومقرها روما، إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد تداعيات لخلافات إقليمية تقليدية أو هامشية، بل هو تحول استراتيجي تدريجي يعيد رسم ملامح جغرافيا صراع جديدة تمتد من البحر الأحمر إلى عمق الساحل الأفريقي، مرورًا بشمال أفريقيا وصولًا إلى أبواب أوروبا.

ما يتشكل على المشهد الجيوسياسي ليس انتشارًا بسيطًا للفوضى، بل عملية متعددة الطبقات، تتقاطع فيها الصدمات الاقتصادية مع إعادة التموضع الأمني وانتهازية القوى الكبرى، بما يعيد تشكيل الديناميات الإقليمية على المدى المتوسط.

البعد البحري

في قلب هذا التحول، يبرز البعد البحري بوصفه أحد أخطر مسارات التصعيد. فبعد التوترات التي اندلعت حول مضيق هرمز، تتجه الأنظار بقلق متصاعد نحو باب المندب، ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو عُشر التجارة البحرية الدولية.

التهديدات الإيرانية للملاحة، سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلائها كالحوثيين في اليمن، تعني أن الصراع لم يعد نفطيًا في جوهره فحسب، بل تحول إلى معركة شاملة على طرق التجارة والسيطرة البحرية بين آسيا وأوروبا.

وتذهب التحليلات إلى أن الحوثيين لم يخرجوا من هذا الصراع، بل ربما قررت طهران الاحتفاظ بهم لمرحلة لاحقة، فهؤلاء يتمتعون بقدر من الاستقلالية مع استمرار ارتباطهم بإيران، ما قد يفضي إلى استراتيجية مزدوجة تجمع بين الضغط على باب المندب وتدفق الأسلحة نحو السودان.

وفي هذا السياق، تكشف التقارير عن مسعى إيراني حثيث للحصول على قاعدة بحرية في السودان، وهو ما قد يمنح طهران، إن تحقق، قدرة على التأثير في حركة الملاحة من الجانبين، مشكّلًا ذراعًا بحرية ممتدة تكمل حضورها البري في الساحل.

البداية المرئية للأزمة

اقتصاديًا، بدأت الصدمة تظهر سريعًا في دول شمال أفريقيا، ولا سيما تلك التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، حيث يضغط ارتفاع أسعار الوقود بقوة على اقتصاداتها، غير أن هذه الضغوط، على شدتها، ليست سوى الفصل الأول من مشهد أكثر تعقيدًا وخطورة.

الفارق الجوهري أن التداعيات الاقتصادية فورية ومباشرة، بينما تبقى التداعيات الأمنية مؤجلة لكنها تتراكم بصمت، وسرعان ما يتحول الإنهاك الاقتصادي إلى بيئة خصبة لتمدد الجماعات المسلحة وتعميق شبكات النفوذ الإقليمي.

عقدة الارتكاز في قوس الاضطراب

أمنيًا، لا تظهر التداعيات بعد بصورة مباشرة في شمال أفريقيا، لكنها تتحرك بثبات نحو منطقة الساحل، حيث تتقاطع الشبكات المسلحة مع المصالح الإقليمية والدولية.

وفي قلب هذه المنطقة، يحتل السودان موقعًا محوريًا بالغ الحساسية، إذ يتحول تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز في قوس الاضطراب الممتد من البحر الأحمر إلى غرب أفريقيا.

وتكشف المعطيات الميدانية عن وجود جماعات مسلحة ترتبط بالحرس الثوري الإيراني، من بينها جماعة "البراء بن مالك" النشطة في الخرطوم وامتداداتها نحو دارفور ومنافذ الساحل.

والأكثر تعقيدًا أن تصنيف بعض هذه الجماعات كمنظمات إرهابية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يدفعها، وفق تقديرات عدد من المحللين، إلى تعميق تحالفاتها مع طهران بدلًا من عزلها، بما يعيد تشكيل خرائط تدفق السلاح وشبكات النفوذ في المنطقة.

تقاطع النفوذ وتوسيع المساحات

يزداد المشهد تعقيدًا مع دخول قوى دولية على الخط. فروسيا، التي عززت حضورها في دول الساحل مثل مالي والنيجر، ورسخت وجودها اللوجستي في شرق ليبيا، قد ترى في التصعيد فرصة لتوسيع نفوذها والضغط على حلفاء واشنطن.

ومع تقاطع المصالح بين موسكو وطهران، يصبح احتمال التنسيق بينهما في هذه الساحات أقرب إلى الواقع. وتشير التحليلات إلى النيجر كبؤرة محتملة لهذا التقارب، فيما تمثل شبكات "حزب الله" في غرب أفريقيا قنوات جاهزة للتمدد والتأثير عند توافر الظروف.

إعادة رسم التحالفات

إقليميًا، تتجه القوى إلى إعادة تموضعها ضمن خريطة تحالفات متغيرة، فتركيا تراقب المشهد بحذر، موازنةً بين مصالحها الاستراتيجية والتزاماتها في حلف الناتو، فيما تشير بعض المؤشرات إلى أنها قد لا تعارض إضعاف إسرائيل استراتيجيًا. 

كما أن توصيف دوائر إسرائيلية لتركيا بوصفها "الهدف التالي" قد يدفع أنقرة إلى مراجعة حساباتها.

أما خليجيًا، فتبرز تباينات واضحة؛ إذ تميل الإمارات إلى خيار الحسم، بينما تفضل السعودية نهجًا أكثر حذرًا، هذا التباين يعكس حالة سيولة إقليمية ويعقّد فرص بناء موقف عربي موحد.

الطاقة في صلب الاستراتيجية

وسط هذه التحولات، تعكس التحركات الأوروبية مستوى القلق المتزايد من تداعيات الصراع، فزيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني إلى الجزائر لتعزيز الشراكة الطاقوية والاستراتيجية، تتجاوز كونها خطوة دبلوماسية تقليدية، لتشكل قراءة استباقية لمخاطر المرحلة.

تأمين إمدادات الطاقة لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم يعاد فيه رسم مسارات الإمداد وخرائط الاعتماد المتبادل تحت ضغط الأزمات.

تحولات عميقة في الجغرافيا السياسية

لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الحرب ستتوسع، بل إلى أي مدى ستعيد تشكيل خريطة النفوذ في مناطق كانت حتى وقت قريب على هامش الصراع، فإذا بها اليوم في قلبه.

وتخلص المنصة الإيطالية إلى أن شمال أفريقيا ومنطقة الساحل لم تعودا مجرد أطراف للمشهد، بل أصبحتا جزءًا بنيويًا من جغرافيا استراتيجية متشابكة. 

فالرهان لم يعد مقتصرًا على ميزان القوى في الشرق الأوسط، بل يمتد إلى مصير مناطق تتداخل فيها الهشاشة الاقتصادية مع الشبكات المسلحة والتدخلات الخارجية، في صراع متعدد المستويات يعيد رسم موازين المنطقة لسنوات قادمة.