فيتش سوليوشنز تتوقع ارتفاع عجز الحساب الجاري في مصر إلى 3.3%
توقعت وكالة فيتش سوليوشنز عبر وحدة الأبحاث BMI أن يرتفع العجز في الحساب الجاري لمصر خلال العام المالي 2025/2026 ليصل إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 2.2% في العام السابق.
وتأتي هذه التوقعات في ظل تأثير مباشر للصراع الأمريكي-الإيراني والتقلبات الجيوسياسية الإقليمية الأوسع علاوة على ارتفاع أداء الدولار الأمريكي في الآونة الأخيرة بأسواق العملات العالمية، الذي أدى إلى زيادة تكلفة واردات الطاقة على مستوى العالم، وتباطؤ أعداد السياح في النصف الثاني من العام المالي، وتأخر تعافي إيرادات قناة السويس، وهو ما يعكس أزمات الاقتصاد المصري أمام الصدمات الإقليمية.
وأشار التقرير إلى أن الضغوط على الحساب الجاري لم تتوقف عند فاتورة الطاقة، بل امتدت لتشمل تراجع الإيرادات من السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.
كما أوضح التقرير أن مصر تكبدت خسائر تقدر بحوالي 10 مليارات دولار (ما يعادل 500 مليار جنيه) من إيرادات قناة السويس نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، مما زاد الحاجة إلى تمويل خارجي لتعويض العجز. إلى جانب ذلك، شهدت الأسواق المالية المحلية خروج استثمارات محفظية بنحو 8-9 مليارات دولار منذ منتصف فبراير، ما عزز الضغط على ميزان المدفوعات والجنيه المصري.
كما أشار التقرير إلى أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وزيادة تقلبات الأسواق العالمية جعلت الاستثمارات قصيرة الأجل في أدوات الدين المصرية أقل جاذبية. وبالتالي فقدت استراتيجيات التمويل المعتمدة على “الكاري تريد” جزءًا كبيرًا من فعاليتها، ما قلل من تدفقات رؤوس الأموال إلى مصر وأضعف دعمها للجنيه، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يعتمد على هذه التدفقات لتغطية العجز في الحساب الجاري.
وحذرت الوكالة من أن استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك اضطرابات الشحن في البحر الأحمر وارتفاع أسعار الطاقة، قد يؤدي إلى تفاقم العجز التجاري، وزيادة الضغط على الاحتياطيات النقدية الأجنبية.
وأكدت فيتش أن قدرة مصر على مواجهة هذه الضغوط تعتمد بشكل كبير على تعزيز الإنتاج المحلي للطاقة، تنويع مصادر العملة الصعبة، وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر طويل الأجل في القطاعات الحيوية.
وعلى المدى المتوسط، ترى فيتش أن العجز المستمر يعكس هشاشة الاقتصاد المصري أمام عوامل خارجية مثل أسعار النفط والغاز، تقلبات الدولار الأمريكي، وعدم اليقين الجيوسياسي الإقليمي. داخليا، يرتبط العجز بفعالية الإنفاق العام، مستوى الإنتاج المحلي، وقدرة الحكومة على تطوير قطاعات تدر إيرادات بالعملة الصعبة، بما في ذلك الطاقة، السياحة، والخدمات اللوجستية. ويؤكد التقرير أن استمرار العجز عند مستويات مرتفعة سيتطلب سياسات مالية ونقدية متوازنة، تهدف لدعم الجنيه، تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وضمان مرونة مصر أمام أي صدمة خارجية محتملة.
وعلى الرغم من تصاعد التوترات الإقليمية جراء الصراع الإيراني الأمريكي، أكدت بعثة صندوق النقد الدولي، قبل بضعة أيام، أن التأثير المباشر لهذه الأحداث على الاقتصاد المصري يظل “محدودا نسبيا” حتى الآن، بفضل الإجراءات السياسية المبكرة والمنسقة التي تبنتها السلطات النقدية المصرية.
وقد أشار المتحدث باسم الصندوق إلى أن نظام سعر الصرف المرن لعب دورا محوريا كـ"ممتص للصدمات"، ما ساعد على تخفيف أثر التقلبات العالمية وحماية احتياطيات النقد الأجنبي. ومع ذلك، لا تزال ضغوط الأسواق الخارجية قائمة، حيث تسببت زيادة أسعار الطاقة عالميا وخروج رؤوس الأموال الأجنبية في انخفاض الجنيه المصري بأكثر من 8% مقابل الدولار منذ بداية الصراع، ما يعكس تحولا في معنويات المستثمرين وعمليات سحب الاستثمارات من أدوات الدين المحلية.
في مواجهة هذه التحديات، اتخذت الحكومة سلسلة من الإجراءات الاستباقية لضمان استقرار المالية العامة وحماية الاقتصاد من الصدمات المحتملة. شملت هذه الإجراءات رفع أسعار الوقود محليًا بنسبة تتراوح بين 14% و30%، وفرض ضوابط على استهلاك الكهرباء، إلى جانب تشكيل لجنة أزمة عليا لضمان استجابة سريعة ومنسقة للتطورات.
وتأتي هذه التدابير ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز مرونة الاقتصاد والحفاظ على التوازن بين الانضباط المالي والحماية الاجتماعية، في إطار الإصلاحات المستمرة التي تدعمها حزمة الدعم الدولية البالغة 57 مليار دولار.