الأربعاء 18 مارس 2026 الموافق 29 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

غرف تعذيب بلا رقيب.. تصاعد الانتهاكات ضد الأسرى الفلسطينيين مع انشغال العالم بحرب إيران

الرئيس نيوز

بينما تتصدر حرب إيران نشرات الأخبار وتستنزف اهتمام العالم، يتصاعد في الظلام نمطٌ موثّق من الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، بعيدًا عن الأضواء ودون محاسبة.

تفيد مصادر محلية بأن آلاف المعتقلين الفلسطينيين أُخرجوا من زنازينهم وتعرّضوا للتعذيب خلال الأسابيع الأخيرة، تحت ذريعة الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، في مشهد يكشف كيف يمكن لحرب إقليمية أن تتحول إلى ستار يحجب جرائم أخرى، وفقًا لقناة "تي آر تي ورلد".

وقد بلغ إجمالي المعتقلين الإداريين في السجون الإسرائيلية 3،442 معتقلًا، ما يمثل 36% من مجمل الفلسطينيين المحتجزين. وفي مطلع مارس، وصل العدد الإجمالي للمعتقلين إلى 9،500 شخص، بينهم 73 امرأة وأكثر من 350 قاصرًا، يُحتجز معظمهم دون توجيه اتهامات رسمية أو إخضاعهم لمحاكمات.

"رحّب بهم" الضباط بالهراوات

لا تكاد تختلف شهادات المعتقلين في تفاصيلها؛ بل إن التشابه الصارخ بينها هو ما يجعلها أشد هولًا، فقد وصف عشرات المعتقلين ما باتوا يسمونه "التشريفة"، أي الضرب المنسّق فور الوصول إلى السجون، حيث يُقيَّد المعتقل وتُعصب عيناه ويُجبر على المرور في ممر من الجنود الذين ينهالون عليه بالعصي والركلات.

ووثّقت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان شهادات صادمة: معتقلون في أقفاص مكشوفة، مقيّدون على أسرّة وهم معصوبو الأعين ويرتدون حفاضات، تعرّضوا للصعق الكهربائي، بما في ذلك في الأعضاء التناسلية، والتعليق من السقف، والإيهام بالغرق، فضلًا عن الاعتداء الجنسي الجماعي.

وحين كُشف بعض هذه الانتهاكات في مقاطع مسرّبة، وصفت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان منظومة السجون ومرافق الاحتجاز بأكملها بأنها "شبكة من مخيمات التعذيب".

سجن صحراوي يكتسب سمعة "غوانتانامو إسرائيل"

يقع في قلب هذا الملف سجن "صدي تيمان"، المنشأة العسكرية الإسرائيلية الواقعة في صحراء النقب، التي باتت رمزًا للانتهاك الممنهج، ويضم السجن قسمين: حظائر تُحتجز فيها مئات المعتقلين معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي، ومستشفى ميداني من الخيام يُحتجز فيه عشرات السجناء وهم مكبّلو الأصفاد.

وفي يوليو 2024، وثّقت كاميرات المراقبة اعتداءً جنسيًا جماعيًا على أحد المعتقلين، خلّف كسورًا في أضلاعه وثقبًا في رئته وإصابة خطيرة في المستقيم، وقد أُدرجت الواقعة في لائحة اتهام عسكرية رسمية. 

غير أن المحكمة العسكرية أسقطت، في مارس 2026، جميع التهم عن الجنود الخمسة المتهمين، بحجة الإخلال بحقهم في محاكمة عادلة، وسط ترحيب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش.

ضحايا بلا أقلام

لا يقتصر الوضع على المعتقلين العاديين؛ إذ طال التعذيب المنهجي الصحفيين الذين أوكلت إليهم مهمة توثيق ما يجري. واستند تقرير لجنة حماية الصحفيين إلى شهادات 59 صحفيًا فلسطينيًا، كشفت عن نمط "متسق بشكل لافت" يشمل الضرب المبرح، والحرمان الحسي، والاعتداء الجنسي، والتجويع، والإهمال الطبي. 

كما خسر المعتقلون منهم، في المتوسط، نحو 52 رطلًا من أوزانهم، وفقًا لمجلة "ديمكراسي ناو" الأمريكية.

وأفاد ما لا يقل عن 14 صحفيًا بتعرضهم لتشغيل موسيقى صاخبة لساعات طويلة، ما تسبب في الحرمان من النوم واضطرابات حسية، فيما أشار سبعة منهم على الأقل إلى احتجازهم في ما يسمونه "غرف الديسكو". 

كما كشف تحقيق لمنظمة "مراسلون بلا حدود" أن صحفيين فلسطينيين، كان يُعتقد أنهما لقيا حتفهما، كانا في الواقع محتجزين سرًا منذ أكتوبر 2023.

إفلات ممنهج من العقاب

ما يعمّق الجرح أن الإفلات من العقاب ليس استثناءً، بل سياسة راسخة. فقد رصدت منظمة "يش دين" الإسرائيلية أن 93.6% من التحقيقات في الجرائم الأيديولوجية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2005 انتهت دون توجيه لوائح اتهام، ووصفت ذلك بأنه ليس إخفاقًا رقابيًا بل نهجًا متعمدًا. 

وعلى الصعيد الدولي، فتحت السلطات الإسرائيلية 112 تحقيقًا في أكثر من 1،500 حالة وفاة فلسطيني موثقة بين عامي 2017 و2025، لكنها لم تفضِ إلا إلى إدانة واحدة.

غزة تئن وحيدة

منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في الثامن والعشرين من فبراير، تتصاعد المخاوف في غزة من تحوّل القضية إلى ملف ثانوي في ظل انشغال العالم بالحرب الإقليمية المتسعة، بينما يظل أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في أوضاع إنسانية بالغة الهشاشة. وفي هذا السياق، يبدو أن التعذيب خلف القضبان يستغل تركّز التغطية الإعلامية على الجبهة الإيرانية ليمضي في ظلام شبه تام.

الصمت الدولي، إذن، ليس مجرد إخفاق أخلاقي، بل يسهم في توفير الغطاء الذي يسمح باستمرار هذه الانتهاكات.