الجمعة 30 يناير 2026 الموافق 11 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

بعد فنزويلا.. تصعيد أمريكي متعدد المسارات ضد كوبا

الرئيس نيوز

صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ضغوطها الاقتصادية على كوبا عبر فرض رسوم جمركية جديدة على مجموعة من السلع الكوبية، بالتوازي مع دراسة خطوة أكثر حدة تتمثل في قطع إمدادات النفط القادمة من فنزويلا. 

وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية أمريكية تهدف إلى تضييق الخناق على الحكومة الكوبية ودفعها نحو تقديم تنازلات سياسية وفتح مسار تفاوضي بشروط أمريكية.

هجوم كراكاس… أخطر مواجهة منذ الحرب الباردة

التصعيد الأمريكي تزامن مع تطور غير مسبوق تمثل في هجوم أمريكي داخل العاصمة الفنزويلية كراكاس، أسفر عن مقتل 32 من العسكريين وعناصر الاستخبارات الكوبية الذين كانوا يشاركون في حماية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. 

ووصفت شبكة «سي إن إن» هذا التطور بأنه التدخل الأكثر دموية بين القوات الأمريكية والكوبية منذ نهاية الحرب الباردة، ما أضاف بُعدًا أمنيًا خطيرًا إلى الأزمة السياسية والاقتصادية القائمة.

أزمة طاقة خانقة وملامح انهيار اقتصادي

وأدى الهجوم وما تبعه من تضييق على الإمدادات إلى فصل كوبا عمليًا عن مصدرها الرئيسي للنفط، إذ كانت تعتمد على فنزويلا لتغطية أكثر من ثلث احتياجاتها من الوقود. 

ومع توقف التدفق، تفاقمت أزمات الكهرباء واصطفت طوابير طويلة أمام محطات الوقود في مختلف أنحاء الجزيرة، بينما شهدت المدن انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي لساعات طويلة يوميًا.

وحذر خبراء طاقة من أن استمرار منع النفط الفنزويلي، بالتوازي مع ممارسة ضغوط على شركاء كوبا المحدودين مثل المكسيك، قد يقود إلى انهيار اقتصادي وشيك، في سيناريو وصفه المحلل جورج بيون بـ«الإعصار القادم».

رسائل أمريكية مباشرة واستعداد كوبي للمواجهة

وفي هذا السياق، نقلت مصادر دبلوماسية عن المسؤول الأمريكي في هافانا مايك هامر قوله خلال اجتماع مع موظفي السفارة: «الكوبيون اشتكوا لسنوات من الحصار، لكن الآن سيكون هناك حصار حقيقي… لن يصل أي نفط بعد الآن». وأكدت المصادر أن واشنطن تسعى لاستخدام الضغط الاقتصادي كورقة تفاوض لفرض مطالب صعبة، من بينها إعادة ممتلكات تعود لمهاجرين كوبيين غادروا البلاد بعد ثورة 1959.

في المقابل، رفعت الحكومة الكوبية منسوب الاستعداد، إذ أعلنت بدء تدريبات عسكرية وتوسيع برامج تدريب المدنيين، في إطار ما وصفته بـ«حرب شاملة» تشمل مختلف فئات الشعب. وأكد الرئيس ميجيل دياز-كانيل أن «أفضل وسيلة لمنع أي عدوان هي جعل الإمبرياليين يحسبون كلفة أي تحرك».

غضب شعبي وانتقادات دولية

وشهدت هافانا مراسم استقبال شعبي لضحايا الهجوم في كراكاس، وسط أزمات حادة في الوقود والنقل العام، ما عكس حالة من الغضب الشعبي تجاه السياسات الأمريكية. وفي الوقت ذاته، وسّعت إدارة ترامب نطاق العقوبات ليشمل منتجات كوبية رئيسية مثل السكر والتبغ والمنتجات الصناعية، إلى جانب استهداف الشركات المملوكة للدولة والبنوك المرتبطة بها، في مسعى لعزل هافانا ماليًا.

وعلى الصعيد الدولي، أثارت الإجراءات الأمريكية انتقادات واسعة، إذ وصف السفير الكوبي لدى واشنطن كارلوس فرنانديز دو كوسيو الحديث عن حصار بحري محتمل بأنه «هجوم وحشي على أمة سلمية لا تهدد أحدًا». كما أعلنت المكسيك أنها قررت «سياديًا» تأجيل شحنات النفط إلى كوبا، رغم تأكيدها استمرار التضامن مع الجزيرة، في خطوة تعكس تعقيد التوازنات الإقليمية تحت الضغط الأمريكي.

معاناة يومية وصمود تاريخي

ويواجه المواطنون الكوبيون أوضاعًا معيشية متدهورة، إذ تجاوزت أسعار الوقود بالدولار الدخل الشهري لغالبية السكان، ما زاد من صعوبة تسيير شؤون الحياة اليومية. ومع ذلك، لجأ السكان إلى حلول بديلة، من بينها استخدام الفحم والشوايات لتجهيز الطعام، والاعتماد على المولدات الصغيرة والبطاريات في ظل الانقطاعات الكهربائية.

وفي خضم هذا المشهد، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، المنحدر من أصول كوبية، أن واشنطن «تأمل في تغيير سياسي في هافانا»، مشددًا على أن الولايات المتحدة لا تسعى لفرضه بالقوة، بل عبر أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي. غير أن خبراء يرون أن التاريخ الكوبي، الممتد منذ خمسينيات القرن الماضي، أظهر قدرة الثورة على الصمود أمام محاولات الحصار والضغط، ما يترك مستقبل هذه الاستراتيجية الأمريكية مفتوحًا على احتمالات غير محسومة.